الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
102
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أَمِ منقطعة وهي للاضراب الانتقالي انتقالا من تشنيع إشراكهم إلى إبطال معاذيرهم في شركهم ، ذلك أنهم لما دمغتهم حجج القرآن باستحالة أن يكون للّه شركاء تمحّلوا تأويلا لشركهم فقالوا : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] كما حكي عنهم في أول هذه السورة ، فلما استوفيت الحجج على إبطال الشرك أقبل هنا على إبطال تأويلهم منه ومعذرتهم . والاستفهام الذي تشعر به أَمِ في جميع مواقعها هو هنا للإنكار بمعنى أن تأويلهم وعذرهم منكر كما كان المعتذر عنه منكرا فلم يقضوا بهذه المعذرة وطرا . وقد تقدم في أول السورة بيان مرادهم بكونهم شفعاء . وأمر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يقول لهم مقالة تقطع بهتانهم وهي أَ وَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ . فالواو في أَ وَلَوْ كانُوا عاطفة كلام المجيب على كلامهم وهو من قبيل ما سمّي بعطف التلقين في قوله تعالى : قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي في سورة البقرة [ 124 ] ، ولك أن تجعل الواو للحال كما هو المختار في نظيره . وتقدم في قوله : وَلَوِ افْتَدى بِهِ في سورة آل عمران [ 91 ] . وصاحب الحال مقدر دل عليه ما قبله من قوله : اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ . والتقدير : أيشفعون لو كانوا لا يملكون شيئا . والظاهر أن حكم تصدير الاستفهام قبل واو الحال كحكم تصديره قبل واو العطف . وأفاد تنكير شَيْئاً في سياق النفي عموم كل ما يملك فيدخل في عمومه جميع أنواع الشفاعة . ولما كانت الشفاعة أمرا معنويا كان معنى ملكها تحصيل إجابتها ، والكلام تهكم إذ كيف يشفع من لا يعقل فإنه لعدم عقله لا يتصور خطور معنى الشفاعة عنده فضلا عن أن تتوجه إرادته إلى الاستشفاع فاتخاذهم شفعاء من الحماقة . ولما نفى أن يكون لأصنامهم شيء من الشفاعة في عموم نفي ملك شيء من الموجودات عن الأصنام ، قوبل بقوله : لِلَّهِ الشَّفاعَةُ أي الشفاعة كلها للّه . وأمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يقول ذلك لهم ليعلموا أن لا يملك الشفاعة إلا اللّه ، أي هو مالك إجابة شفاعة الشفعاء الحقّ . وتقديم الخبر المجرور وهو لِلَّهِ على المبتدأ لإفادة الحصر . واللام للملك ، أي قصر ملك الشفاعة على اللّه تعالى لا يملك أحد الشفاعة عنده . و جَمِيعاً حال من الشفاعة مفيدة للاستغراق ، أي لا يشذ جزئي من جزئيات حقيقة الشفاعة عن كونه ملكا للّه وقد تأكد بلازم هذه لحال ما دل عليه الحصر من انتفاء أن يكون شيء من الشفاعة لغير اللّه .