الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

88

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وليعلم الناس أن اللّه إذا اصطفى أحدا للرسالة لا يرخص له في الفتور عنها ولا ينسخ أمره بذلك لأن اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته . [ 147 - 148 ] [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 147 إلى 148 ] وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ( 147 ) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ( 148 ) ظاهر ترتيب ذكر الإرسال بعد الإنجاء من الحوت أنه إعادة لإرساله . وهذا هو مقتضى ما في كتاب يونس من كتب اليهود إذ وقع في الإصحاح الثالث : ثم صار قول الرب إلى يونس ثانية : قم اذهب إلى نينوى وناد لها المناداة التي أنا مكلمك بها . والمرسل إليهم : اليهود القاطنون في نينوى في أسر الأشوريين كما تقدم . والظاهر أن الرسول إذا بعث إلى قوم مختلطين بغيرهم أن تعم رسالته جميع الخليط لأن في تمييز البعض بالدعوة تقريرا لكفر غيرهم . ولهذا لما بعث اللّه موسى عليه السلام لتخليص بني إسرائيل دعا فرعون وقومه إلى نبذ عبادة الأصنام ، فيحتمل أن المقدرين بمائة ألف هم اليهود وأن المعطوفين بقوله : أَوْ يَزِيدُونَ هم بقية سكان ( نينوى ) . وذكر في كتاب يونس أن دعوة يونس لمّا بلغت ملك نينوى قام عن كرسيه وخلع رداءه ولبس مسحا وأمر أهل مدينته بالتوبة والإيمان إلخ . ولم يذكر أن يونس دعا غير أهل نينوى من بلاد أشور مع سعتها . و روى الترمذي عن أبيّ بن كعب قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن قول اللّه تعالى : وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال : « عشرون ألفا » . قال الترمذي : حديث غريب . فحرف أَوْ في قوله : أَوْ يَزِيدُونَ بمعنى ( بل ) على قول الكوفيين واختيار الفراء وأبي علي الفارسي وابن جنّي وابن برهان « 1 » . واستشهدوا بقول جرير : ما ذا ترى في عيال قد برمت بهم * لم أحص عدتهم إلا بعدّاد كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية * لولا رجاؤك قد قتّلت أولادي والبصريون لا يجيزون ذلك إلا بشرطين أن يتقدمها نفي أو نهي وأن يعاد العامل ، وتأولوا هذه الآية بأن أَوْ للتخيير ، والمعنى إذا رآهم الرائي تخير بين أن يقول : هم

--> ( 1 ) بفتح الباء الموحدة ممنوعا من الصرف هو سعيد بن المبارك البغدادي ولد سنة 469 وتوفي سنة 559 .