الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
8
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
من أمر اللّه تعالى قال تعالى ، حكاية عنهم في هذه السورة وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [ الصافات : 165 ، 166 ] . والزجر : الحث في نهي أو أمر بحيث لا يترك للمأمور تباطؤ في الإتيان بالمطلوب ، والمراد به : تسخير الملائكة المخلوقات التي أمرهم اللّه بتسخيرها خلقا أو فعلا ، كتكوين العناصر ، وتصريف الرياح ، وإزجاء السحاب إلى الآفاق . و « التاليات ذكرا » المترددون لكلام اللّه تعالى الذي يتلقونه من جانب القدس لتبليغ بعضهم بعضا أو لتبليغه إلى الرسل كما أشار إليه قوله تعالى : حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [ سبأ : 23 ] . وبيّنه قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا قضى اللّه الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنّه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ما ذا قال ربكم ؟ قالوا : الذي قال الحق » . والمراد ب « التاليات » ما يتلونه من تسبيح وتقديس للّه تعالى لأن ذلك التسبيح لما كان ملقنا من لدن اللّه تعالى كان كلامهم بها تلاوة . والتلاوة : القراءة ، وتقدمت في قوله تعالى : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ في البقرة [ 102 ] ، وقوله : وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ في [ الأنفال : 2 ] . والذكر ما يتذكر به من القرآن ونحوه ، وتقدم في قوله : وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في سورة الحجر [ 6 ] . وما تفيده الفاء من ترتيب معطوفها يجوز أن يكون ترتيبا في الفضل بأن يراد أن الزجر وتلاوة الذكر أفضل من الصّف لأن الاصطفاف مقدمة لها ووسيلة والوسيلة دون المتوسّل إليه ، وأن تلاوة الذكر أفضل من الزجر باعتبار ما فيها من إصلاح المخلوقات المزجورة بتبليغ الشرائع إن كانت التلاوة تلاوة الوحي الموحى به للرسل ، أو بما تشتمل عليه التلاوة من تمجيد اللّه تعالى فإن الأعمال تتفاضل تارة بتفاضل متعلقاتها . وقد جعل اللّه الملائكة قسما وسطا من أقسام الموجودات الثلاثة باعتبار التأثير والتأثر . فأعظم الأقسام المؤثر الذي لا يتأثر وهو واجب الوجود سبحانه ، وأدناها المتأثر الذي لا يؤثر وهو سائر الأجسام ، والمتوسط الذي يؤثر ويتأثر وهذا هو قسم المجرّدات من الملائكة والأرواح فهي قابلة للأثر عن عالم الكبرياء الإلهية وهي تباشر التأثير في عالم الأجسام . وجهة قابليتها الأثر من عالم الكبرياء مغايرة لجهة تأثيرها في عالم الأجسام وتصرفها فيها ، فقوله : فَالزَّاجِراتِ زَجْراً إشارة إلى تأثيرها ، وقوله : فَالتَّالِياتِ ذِكْراً