الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

68

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

التكليف لعلمت مرتبته في الطاعة والصبر وقوة اليقين . وجملة إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ في محل العلة لجملة إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ على نحو ما تقدم في موقع جملة إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ [ الصافات : 81 ] في قصة نوح . وجواب فَلَمَّا أَسْلَما محذوف دل عليه قوله : وَنادَيْناهُ ، وإنما جيء به في صورة العطف إيثارا لما في ذلك من معنى القصة على أن يكون جوابا لأن الدلالة على الجواب تحصل بعطف بعض القصة دون العكس ، وحذف الجواب في مثل هذا كثير في القرآن وهو من أساليبه ومثله قوله تعالى : فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غيابات الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ، وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ [ يوسف : 15 ، 16 ] . وجملة وَفَدَيْناهُ يظهر أنها من الكلام الذي خاطب اللّه به إبراهيم . والمعنى : وقد فدينا ابنك بذبح عظيم ولولا هذا التقدير تكون حكاية نداء اللّه إبراهيم غير مشتملة على المقصود من النداء وهو إبطال الأمر بذبح الغلام . والفدى والفداء : إعطاء شيء بدلا عن حق للمعطى ، ويطلق على الشيء المفدى به من إطلاق المصدر على المفعول . وأسند الفداء إلى اللّه لأنه الآذن به ، فهو مجاز عقلي ، فإن اللّه أوحى إلى إبراهيم أن يذبح الكبش فداء عن ذبح ابنه وإبراهيم هو الفادي بإذن اللّه ، وابن إبراهيم مفدى . والذبح بكسر الذال : المذبوح ووزن فعل بكسر الفاء وسكون عين الكلمة يكثر أن يكون بمعنى المفعول مما اشتق منه مثل : الحب والطحن والعدل . ووصفه ب عَظِيمٍ بمعنى شرف قدر هذا الذبح ، وهو أن اللّه فدى به ابن رسول وأبقى به من سيكون رسولا فعظمه بعظم أثره ، ولأنه سخره اللّه لإبراهيم في ذلك الوقت وذلك المكان . وقد أشارت هذه الآيات إلى قصة الذبيح ولم يسمه القرآن لعله لئلا يثير خلافا بين المسلمين وأهل الكتاب في تعيين الذبيح من ولدي إبراهيم ، وكان المقصد تألف أهل الكتاب لإقامة الحجة عليهم في الاعتراف برسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلم وتصديق القرآن ، ولم يكن ثمة مقصد مهمّ يتعلق بتعيين الذبيح ولا في تخطئة أهل الكتاب في تعيينه ، وأمارة ذلك أن