الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

66

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

واللام في لِلْجَبِينِ بمعنى ( على ) كقوله : يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً [ الإسراء : 107 ] ، وقوله تعالى : دَعانا لِجَنْبِهِ [ يونس : 12 ] ، ومعناها أن مدخولها هو أسفل جزء من صاحبه . والجبين : أحد جانبي الجبهة ، وللجبهة جبينان ، وليس الجبين هو الجبهة ولهذا خطّئوا المتنبي في قوله : وخلّ زيّا لمن يحقّقه * ما كل دام جبينه عابد وتبع المتنبي إطلاق العامة وهو خطأ ، وقد نبه على ذلك ابن قتيبة في « أدب الكتاب » ولم يتعقبه ابن السيّد البطليوسي في « الاقتضاب » ولكن الحريري لم يعدّه في « أوهام الخواصّ » فلعله أن يكون غفل عنه ، وذكر مرتضى في « تاج العروس » عن شيخه تصحيح إطلاق الجبين على الجبهة مجازا بعلاقة المجاورة ، وأنشد قول زهير : يقيني بالجبين ومنكبيه * وأدفعه بمطّرد الكعوب وزعم أن شارح ديوان زهير ذكر ذلك . وهذا لا يصح استعماله إلا عند قيام القرينة لأن المجاز إذا لم يكثر لا يستحق أن يعد في معاني الكلمة على أنا لا نسلم أن زهيرا أراد من الجبين الجبهة . ولم يذكر هذا في الأساس . والمعنى : أنه ألقاه على الأرض على جانب بحيث يباشر جبينه الأرض من شدة الاتصال . ومناداة اللّه إبراهيم بطريق الوحي بإرسال الملك ، أسندت المناداة إلى اللّه تعالى لأنه الآمر بها . وتصديق الرؤيا : تحقيقها في الخارج بأن يعمل صورة العمل الذي رآه يقال : رؤيا صادقة ، إذا حصل بعدها في الواقع ما يماثل صورة ما رآه الرائي قال اللّه تعالى : لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ [ الفتح : 27 ] . وفي حديث عائشة : « أول ما بدئ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح » . وبضد ذلك يقال : كذبت الرؤيا ، إذا حصل خلاف ما رأى . وفي الحديث : « إذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن » ، فمعنى قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا قد فعلت مثل صورة ما رأيت في النوم أنك تفعله . وهذا ثناء من اللّه تعالى على إبراهيم بمبادرته لامتثال الأمر ولم يتأخر ولا سأل من اللّه نسخ ذلك . والمراد : أنه صدق ما رآه إلى حدّ إمرار السكين على رقبة ابنه ، فلما ناداه جبريل بأن لا يذبحه كان ذلك الخطاب نسخا لما في الرؤيا من إيقاع الذبح ، وذلك جاء من قبل