الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
50
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تفيد تعليلا لمجازاة اللّه نوحا بما عده من النعم بأن ذلك لأنه كان محسنا ، أي متخلقا بالإحسان وهو الإيمان الخالص المفسّر في قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » ، وأي دليل على إحسانه أجلى من مصابرته في الدعوة إلى التوحيد والتقوى وما ناله من الأذى من قومه طول مدة دعوته . والمعنى : إنا مثل ذلك الجزاء نجزي المحسنين . وفي هذا تنويه بنوح عليه السلام بأن جزاءه كان هو المثال والإمام لجزاء المحسنين على مراتب إحسانهم وتفاوت تقاربها من إحسان نوح عليه السلام وقوته في تبليغ الدعوة . فهو أول من أوذي في اللّه فسنّ الجزاء لمن أوذي في اللّه ، وكان على قالب جزائه ، فلعله أن يكون له كفل من كل جزاء يجزاه أحد على صبره إذا أوذي في اللّه ، فثبت لنوح بهذا وصف الإحسان ، وهو النعمة السابعة . وثبت له أنه مثل للمحسنين في جزائهم على إحسانهم ، وهي النعمة الثامنة . وجملة إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ تعليل لاستحقاقه المجازاة الموصوفة بقوله : كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ فاختلف معلول هذه العلة ومعلول العلة التي قبلها . وأفاد وصفه ب إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا أنه ممن استحق هذا الوصف ، وقد علمت غير مرة أن وصف ( عبد ) إذا أضيف إلى ضمير الجلالة أشعر بالتقريب ورفع الدرجة ، اقتصر على وصف العباد بالمؤمنين تنويها بشأن الإيمان ليزداد الذين آمنوا إيمانا ويقلع المشركون عن الشرك . وهذه نعمة تاسعة . وأقحم معها من عِبادِنَا لتشريفه بتلك الإضافة على نحو ما تقدم آنفا في قوله تعالى : إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ [ الصافات : 40 - 41 ] وهذه نعمة عاشرة ، وفي ذلك تنبيه على عظيم قدر الإيمان . وفي هذه القصة عبرة للمشركين بما حلّ بقوم نوح وتسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلم وجعل نوح قدوة له ، وإيماء إلى أن اللّه ينصره كما نصر نوحا على قومه وينجّيه من أذاهم وتنويه بشأن المؤمنين . و ثُمَّ التي في قوله : ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ للترتيب والتراخي الرتبيين لأن بعض ما ذكر قبلها في الكلام هو مما حصل بعد مضمون جملتها في نفس الأمر كما هو بيّن ، ومعنى التراخي الرتبي هنا أن إغراق الذين كذّبوه مع نجاته ونجاة أهله ، أعظم رتبة في الانتصار له والدلالة على وجاهته عند اللّه تعالى وعلى عظيم قدرة اللّه تعالى ولطفه . ومعنى الْآخَرِينَ من عداه وعدا أهله ، أي بقية قومه ، وفي التعبير عنهم بالآخرين ضرب من الاحتقار . ومما في الحديث أنه جاءه رجل فقال : « إن الآخر قد زنى » يعني نفسه على رواية الآخر بمدّ الهمزة وهي إحدى روايتين في الحديث .