الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

38

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تصوير حسن حالهم بحصر الفوز فيه حتى كان كل فوز بالنسبة إليه ليس بفوز ، فالحصر للمبالغة لعدم الاعتداد بغيره ثم ألحقوا ذلك الحصر بوصفه ب الْعَظِيمُ . [ 61 ] [ سورة الصافات ( 37 ) : آية 61 ] لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ ( 61 ) هذا تذييل لحكاية حال عباد اللّه المخلصين فهو كلام من جانب اللّه تعالى للتنويه بما فيه عباد اللّه المخلصون ، وللتحريض على العمل بمثل ما عملوه مما أوجب لهم إخلاص اللّه إياهم ، فالإشارة في قوله : لِمِثْلِ هذا إلى ما تضمنه قوله : أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ [ الصافات : 41 ] الآيات ، أي لمثل نعيمهم وأنسهم ومسرتهم ولذّاتهم وبهجتهم وخلود ذلك كله . والمراد بمثله : نظيره من نعيم لمخلصين آخرين . والمراد بالعاملين : الذين يعملون الخير ويسيرون على ما خطّت لهم شريعة الإسلام ، فحذف مفعول « يعمل » اختصارا لظهوره من المقام . واللام في لِمِثْلِ لام التعليل . وتقديم المجرور على عامله لإفادة القصر ، أي لا لعمل غيره ، وهو قصر قلب للرد على المشركين الذين يحسبون أنهم يعملون أعمالا صالحة يتفاخرون بها من الميسر ، قال تعالى : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [ الكهف : 103 - 104 ] . والمعنى : لنوال مثل هذا ، فحذف مضاف لدلالة اللام على معناه . والفاء للتفريع على مضمون القصة المذكورة قبلها من قوله : إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [ الصافات : 40 ] الآيات . والأمر في فَلْيَعْمَلِ للإرشاد الصادق بالواجبات والمندوبات . [ 62 - 68 ] [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 62 إلى 68 ] أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ( 62 ) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ( 63 ) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ( 64 ) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ ( 65 ) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ ( 66 ) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ ( 67 ) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ( 68 ) استئناف بعد تمام قصة المؤمن ورفاقه قصد منه التنبيه إلى البون بين حال المؤمن