الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
28
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [ الذاريات : 52 ] . [ 37 ] [ سورة الصافات ( 37 ) : آية 37 ] بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ( 37 ) اعتراض في آخر الاعتراض قصدت منه المبادرة بتنزيه النبي صلّى اللّه عليه وسلم عما قالوه . و بَلْ إضراب إبطال لقولهم : لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ [ الصافات : 36 ] وبإثبات صفته الحقّ لبيان حقيقة ما جاء به . وفي وصف ما جاء به أنه الحق ما يكفي لنفي أن يكون شاعرا ومجنونا ، فإن المشركين ما أرادوا بوصفه بشاعر أو مجنون إلا التنفير من اتّباعه فمثلوه بالشاعر من قبيلة يهجو أعداء قبيلته ، أو بالمجنون يقول ما لا يقوله عقلاء قومه ، فكان قوله تعالى : بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ مثبتا لكون الرسول على غير ما وصفوه إثباتا بالبينة . وأتبع ذلك بتذكيرهم بأنه ما جاء إلا بمثل ما جاءت به الرسل من قبله ، فكان الإنصاف أن يلحقوه بالفريق الذي شابههم دون فريق الشعراء أو المجانين . وتصديق المرسلين يجمع ما جاء به الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلم إجمالا وتفصيلا ، لأن ما جاء به لا يعدو أن يكون تقريرا لما جاءت به الشرائع السالفة فهو تصديق له ومصادقة عليه ، أو أن يكون نسخا لما جاءت به بعض الشرائع السالفة ، والإنباء بنسخه وانتهاء العمل به تصديق للرسل الذين جاءوا به في حين مجيئهم به ، فكل هذا مما شمله معنى التصديق ، وأول ذلك هو إثبات الوحدانية بالربوبية للّه تعالى . فالمعنى : أن ما دعاكم إليه من التوحيد قد دعت إليه الرسل من قبله ، وهذا احتجاج بالنقل عقب الاحتجاج بأدلة النظر . [ 38 - 39 ] [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 38 إلى 39 ] إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ ( 38 ) وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 39 ) هذا من كلام اللّه يوم القيامة الموجّه إلى المشركين عقب تساؤلهم وتحاورهم فيكون ما بين هذا وبين محاورتهم المنتهية بقولهم : إِنَّا كُنَّا غاوِينَ [ الصافات : 32 ] اعتراضا ، أي فلما انتهوا من تحاورهم خوطبوا بما يقطع طمعهم في قبول تنصل كلا الفريقين من تبعات الفريق الآخر ليزدادوا تحققا من العذاب الذي علموه من قولهم : فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ [ الصافات : 31 ] ، وهذا ما تقتضيه دلالة اسم الفاعل في قوله : لَذائِقُوا الْعَذابِ لأن اسم الفاعل حقيقة في الحال ، أي حال التلبس ، فإنه لما قيل لهم هذا كانوا مشرفين على الوقوع في العذاب وذلك زمن حال في العرف العربي .