الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

197

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ بدل اشتمال من جملة وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ اشتمال نفي الشيء على ثبوت ضده ، فلما نفى بقوله : وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ أن يكون تقوّل القرآن على اللّه ، ثبت من ذلك أن القرآن ذكر للناس ذكّرهم اللّه به ، أي ليس هو بالأساطير أو الترهات . ولك أن تجعلها تذييلا إذ لا منافاة بينهما هنا . وهذا الإخبار عن موقع القرآن لدى جميع أمة الدعوة لا خصوص المشركين الذين كان في مجادلتهم لأنه لما ثبت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا يرجو من معانديه أجرا . وثبت بذلك أنه ليس بمتقول ما لم يوح إليه انتقل إلى إثبات أن القرآن ذكر للناس قاطبة فيدخل في ذلك مشركو أهل مكة وغيرهم من الناس ، فكأنه قيل يستغني اللّه عنكم بأقوام آخرين كما قال تعالى : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [ الزمر : 7 ] . وعموم العالمين يكسب الجملة معنى التذييل للجملتين قبلها . والقصر الذي اشتملت عليه جملة إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ قصر قلب إضافي ، أي هو ذكر لا أساطير ولا سحر ولا شعر ولا غير ذلك للردّ على المشركين ما وسموا به القرآن من غير صفاته الحقيقية . وجملة وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ عطف على جملة إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ باعتبار ما يشتمل عليه القصر من جانب الإثبات ، أي وستعلمون خبر هذا القرآن بعد زمان علما جزما فيزول شكّكم فيه ، فالكلام إخبار عن المستقبل كما هو مقتضى وجود نون التوكيد . والنبأ : الخبر ، وأصل الخبر : الصدق ، أي الموافقة للواقع ، فإذا قيل : أتاني نبأ كذا ، فمعناه الخبر عن حاله في الواقع ، فإضافة النبأ إلى ما يضاف إليه على معنى اللام إذ معنى اللام هو أصل معاني الإضافة ، قال تعالى : وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ [ ص : 21 ] ، أي ستعلمون صدق وصف هذا القرآن أنه الحق ، وهذا كما قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فصلت : 53 ] . وفسر النبأ بمعنى المفعول ، أي ما أنبأ به القرآن من إنذاركم بالعذاب ، فهو تهديد . وكلا الاحتمالين واقع فإن من المخاطبين من عجّل له عذاب السيف يوم بدر ، وبقيتهم رأوا ذلك رأي العين منهم من علموا دخول الناس في الإسلام فماتوا بغيظهم ومنهم من شاهدوا فتح مكة وآمنوا ، أو رأوا قبائل العرب تدخل في الدين أفواجا فعلموا نبأ صدق القرآن وما وعد به بعد حين فازدادوا إيمانا .