الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
193
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
حقارة ، والتفاضل إنما يتقوم من الكمال في الذات والآثار . [ 77 - 78 ] [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 77 إلى 78 ] قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( 77 ) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ ( 78 ) عاقبه اللّه على ما برز من نفسانيته فخالف ما كان من طريقته فأطرده من الملأ الأعلى ومن الجنة ، وضمير قالَ عائد إلى اللّه تعالى على طريقة حكاية المقاولات . وفرّع أمره بالخروج من الجنة بالفاء على ما تقدمه من السؤال والجواب لأن جوابه دل على كون خبث في نفسه بدت آثاره في عمله فلم يصلح لمخالطة أهل الملأ الأعلى . وتقدم تفسير نظير هذه الآية في سورة الحجر . واللعنة : الإبعاد من رحمة اللّه ، وأضيف إلى اللّه لتشنيع متعلقها وهو الملعون لأن الملعون من جانب اللّه هو أشنع ملعون . وجعل يَوْمِ الدِّينِ غاية اللعنة للدلالة على دوامها مدة هذه الحياة كلها ليستغرق الأزمنة كلها ، وليس المراد حصول ضد اللعنة له يوم الدين أعني الرحمة لأن يوم الدين يوم الجزاء على الأعمال فجزاء الملعون العذاب الأليم كما أنبأ بذلك التعبير ب يَوْمِ الدِّينِ دون : يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ ص : 79 ] ، أو يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [ ص : 81 ] . [ 79 - 81 ] [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 79 إلى 81 ] قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 79 ) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 80 ) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ( 81 ) أي قال إبليس . وتقدم نظير هذه الآية في سورة الحجر وتفسيرها هناك مستوفى . [ 82 - 83 ] [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 82 إلى 83 ] قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 83 ) الفاء لتفريع كلامه على أمر اللّه إياه بالخروج من الجنة وعقابه إياه باللعنة الدائمة وهذا التفريع من تركيب كلام متكلم على كلام متكلم آخر . وهو الملقب بعطف التلقين في قوله تعالى : قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي في سورة البقرة [ 124 ] . أقسم الشيطان بعزة اللّه تحقيقا لقيامه بالإغواء دون تخلف ، وإنما أقسم على ذلك وهو يعلم عظمة هذا القسم لأنه وجد في نفسه أن اللّه أقدره على القيام بالإغواء والوسوسة وقد قال في سورة الحجر [ 39 ] : رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ .