الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

19

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الفعل ، أي لا يحصل فيهم أثر تذكّر ما يذكّرون به وإن كانوا قد ذكروا ذلك . ويجوز أن يراد لا يذكرون ما ذكروا به ، أي لشدة إعراضهم عن التأمل فيما ذكّروا به لاستقرار ما ذكّروا به في عقولهم فلا يذكرون ما هم غافلون عنه ، على حد قوله تعالى : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ [ الفرقان : 44 ] . و وَإِذا رَأَوْا آيَةً أي خارق عادة أظهره الرسول صلّى اللّه عليه وسلم دالا على صدقه لأن اللّه تعالى لا يغير نظام خلقته في هذا العالم إلا إذا أراد تصديق الرسول لأن خرق العادة من خالق العادات وناظم سنن الأكوان قائم مقام قوله : صدق هذا الرسول فيما أخبر به عني . وقد رأوا انشقاق القمر ، فقالوا : هذا سحر ، قال تعالى : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [ القمر : 1 ، 2 ] . و يَسْتَسْخِرُونَ مبالغة في السخرية فالسين والتاء للمبالغة كقوله : فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ [ آل عمران : 195 ] وقوله : فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ [ الزخرف : 43 ] . فالسخرية المذكورة في قوله : وَيَسْخَرُونَ سخرية من محاجّة النبي صلّى اللّه عليه وسلم إياهم بالأدلة . والسخرية المذكورة هنا سخرية من ظهور الآيات المعجزات ، أي يزيدون في السخرية بمن ظنّ منهم أن ظهور المعجزات يحول بهم عن كفرهم ، ألا ترى أنهم قالوا : إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها [ الفرقان : 42 ] . [ 15 - 19 ] [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 15 إلى 19 ] وَقالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ( 15 ) أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 16 ) أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ( 17 ) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ ( 18 ) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ ( 19 ) عطف على جملة فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً [ الصافات : 11 ] الآية . والإشارة في قوله : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ إلى مضمون قوله : فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً وهو إعادة الخلق عند البعث ، ويبينه قوله : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ، أي وقالوا في رد الدليل الذي تضمنه قوله : أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا [ الصافات : 11 ] أي أجابوا بأن ادعاء إعادة الحياة بعد البلى كلام سحر مبين ، أي كلام لا يفهم قصد به سحر السامع . هذا وجه تفسير هذه الآية تفسيرا يلتئم به نظمها خلافا لما درج عليه المفسرون . وقرأ نافع وحده إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ بهمزة واحدة هي همزة إن باعتبار أنه جواب إِذا الواقعة في حيّز الاستفهام فهو من حيز الاستفهام . وقرأ غير نافع أَ إِنَّا بهمزتين :