الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
172
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فصل ذكر إسماعيل عن عدّه مع أبيه إبراهيم وأخيه إسحاق لأن إسماعيل كان جد الأمة العربية ، أي معظمها فإنه أبو العدنانيين . وجدّ للأم لمعظم القحطانيين لأن زوج إسماعيل جرهميّة فلذلك قطع عن عطفه على ذكر إبراهيم وعاد الكلام إليه هنا . وأمّا قرنه ذكره بذكر اليسع وذي الكفل بعطف اسميهما على اسمه فوجهه دقيق في البلاغة وليس يكفي في توجيهه ما تضمنه قوله : وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ ، لأن التماثل في الخيريّة والاصطفاء ثابت لجميع الأنبياء والمرسلين ، فلا يكون ذكرهما بعد ذكر إسماعيل أولى من ذكر غيرهما من ذوي الخيرية الذين شملهم لفظ الأخيار والاصطفاء ، فإن شرط قبول العطف بالواو أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه جامع عقلي أو وهمي أو خيالي كما قال في « المفتاح » ، قال ومن هنا عابوا أبا تمام في قوله : لا والذي هو عالم أن النوى * صبر وأن أبا الحسين كريم « 1 » حيث جمع بين مرارة النوى وكرم أبي الحسين وإن كانا مقترنين في تعلق علم اللّه بهما وذلك مساو لاقتران إسماعيل واليسع وذي الكفل في أنهم من الأخيار في هذه الآية . فبنا أن نطلب الدقيقة التي حسّنت في هذه الآية عطف اليسع وذي الكفل على إسماعيل . فأما عطف اليسع على إسماعيل فلأن اليسع كان مقامه في بني إسرائيل كمقام إسماعيل في بني إبراهيم لأن اليسع كان بمنزلة الابن للرسول إلياس ( إيليا ) وكان إلياس يدافع ملوك يهوذا وملوك إسرائيل عن عبادة الأصنام ، وكان اليسع في إعانته كما كان إسماعيل في إعانة إبراهيم ، وكان إلياس لما رفع إلى السماء قام اليسع مقامه كما هو مبيّن في سفر « الملوك الثاني » الإصحاح ( 1 - 2 ) . وأما عطف ذي الكفل على إسماعيل فلأنه مماثل لإسماعيل في صفة الصبر قال اللّه تعالى في سورة الأنبياء [ 85 ] وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ . وقرأ الجمهور الْيَسَعَ بهمزة وصل وبلام واحدة وهي من أصل الاسم في اللغة العبرانية فعربته العرب باللام وليست لام التعريف ، فدع عنك ما أطالوا به . وقرأه حمزة والكسائي بهمزة وصل وبلامين وتشديد الثانية وهو أقرب إلى أصله العبراني وهو اسم أعجميّ معرب ، والهمزة واللام ، أو واللامان أصلية .
--> ( 1 ) هو أبو الحسين محمد بن الهيثم بن شبابة أحد قواد المتوكل أو الواثق ولأبي تمام مدائح فيه كثيرة .