الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

169

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ . علة لجملة ارْكُضْ بِرِجْلِكَ [ ص : 42 ] وجملة وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ [ ص : 43 ] ، أي أنعمنا عليه بجبر حاله ، لأنا وجدناه صابرا على ما أصابه فهو قدوة للمأمور بقوله : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ * [ المزمل : 10 ] صلى اللّه عليه وسلم ، فكانت ( إنّ ) مغنية عن فاء التفريع . ومعنى وَجَدْناهُ أنه ظهر في صبره ما كان في علم اللّه منه . وقوله : نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ مثل قوله في سليمان نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ ص : 30 ] ، فكان سليمان أوّابا للّه من فتنة الغنى والنعيم ، وأيوب أوّابا للّه من فتنة الضرّ والاحتياج ، وكان الثناء عليهما متماثلا لاستوائهما في الأوبة وإن اختلفت الدواعي . قال سفيان : أثنى اللّه على عبدين ابتليا : أحدهما صابر ، والآخر شاكر ، ثناء واحدا . فقال لأيوب ولسليمان نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ . [ 45 - 47 ] [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 45 إلى 47 ] وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ ( 45 ) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ( 46 ) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ ( 47 ) القول فيه كالقول في نظائره لغة ومعنى . وذكر هؤلاء الثلاثة ذكر اقتداء وائتساء بهم ، فأما إبراهيم عليه السّلام فيما عرف من صبره على أذى قومه ، وإلقائه في النار ، وابتلائه بتكليف ذبح ابنه ، وأما ذكر إسحاق ويعقوب فاستطراد بمناسبة ذكر إبراهيم ولما اشتركا به من الفضائل مع أبيهم التي يجمعها اشتراكهم في معنى قوله : أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ ليقتدي النبي صلى اللّه عليه وسلم بثلاثتهم في القوة في إقامة الدين والبصيرة في حقائق الأمور . وابتدئ بإبراهيم لتفضيله بمقام الرسالة والشريعة ، وعطف عليه ذكر ابنه وعطف على ابنه ابنه يعقوب . وقرأ الجمهور وَاذْكُرْ عِبادَنا بصيغة الجمع على أن إِبْراهِيمَ ومن عطف عليه كله عطف بيان . وقرأ ابن كثير عبدنا بصيغة الإفراد على أن يكون إِبْراهِيمَ عطف بيان من عِبادَنا ويكون إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ عطف نسق على عِبادَنا . ومآل القراءتين متّحد . و الْأَيْدِي : جمع يد بمعنى القوة في الدين . كقوله تعالى : وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ في سورة الذاريات [ 47 ] . و الْأَبْصارِ : جمع بصر بالمعنى المجازي ، وهو النظر الفكري المعروف بالبصيرة ،