الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

160

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أن عصفها يصير إلى لين بأمر سليمان ، أي دعائه ، أو بعزمه ، أو رغبته لأنه لا تصلح له أن تكون عاصفة بحال من الأحوال ، فهذا وجه دفع التنافي بين الحالين في الآيتين . و أَصابَ معناه قصد ، وهو مشتق من الصّوب ، أي الجهة ، أي تجري إلى حيث أي جهة قصد السير إليها . حكى الأصمعي عن العرب : « أصاب الصواب فأخطأ الجواب » أي أراد الصواب فلم يصب . وقيل : هذا استعمال لها في لغة حمير ، وقيل في لغة هجر . و الشَّياطِينَ جمع شيطان ، وحقيقته الجنّي ، ويستعمل مجازا للبالغ غاية المقدرة والحذق في العمل الذي يعمله . ومنه قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نبيء عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [ الأنعام : 112 ] ، فسخر اللّه النوع الأول لسليمان تسخيرا خارقا للعادة على وجه المعجزة فهو مسخر له في الأمور الروحانية والتصرفات الخفية وليس من شأن جنسهم إيجاد الصناعات المتقنة كالبناء ، وسخر النوع الثاني له تسخير إذلال ومغلوبية لعظم سلطانه وإلقاء مهابته في قلوب الأمم فكانوا يأتون طوعا للانضواء تحت سلطانه كما فعلت بلقيس وقد تقدم في سورة سبأ . فيجوز أن يكون الشَّياطِينَ مستعملا في حقيقته ومجازه . و كُلَّ بَنَّاءٍ بدل من الشَّياطِينَ بدل بعض من كل ، أي كل بنّاء وغوّاص منهم ، أي من الشياطين . و كُلَّ هنا مستعملة في معنى الكثير ، وهو استعمال وارد في القرآن والكلام الفصيح ، قال تعالى : وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ [ يونس : 97 ] وقال : ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ [ النحل : 69 ] . وقال النابغة : بها كلّ ذيّال وخنساء ترعوي وتقدم عند قوله تعالى : وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها في سورة الأنعام [ 25 ] . والبنّاء : الذي يبني وهو اسم فاعل مصوغ على زنة المبالغة للدلالة على معنى الصناعة مثل نجّار وقصّار وحدّاد . والغواص : الذي يغوص في البحر لاستخراج محار اللؤلؤ ، وهو أيضا مما صيغ على وزن المبالغة للدلالة على الصناعة ، قال النابغة : أو درّة صدفية غوّاصها * بهج متى يرها يهلّ ويسجد قال تعالى : وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ [ الأنبياء : 82 ] . وقد بلغت الصناعة في ملك سليمان مبلغا من الإتقان والجودة والجلال ، وناهيك