الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

143

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فالتخلص منه بالانسحاب عما جرّه إلى الإكراه ، ولذلك اشترط العلماء في الخليفة شروطا كلّها تحوم حول الحيلولة بينه وبين اتباع الهوى وما يوازيه من الوقوع في الباطل ، وهي : التكليف ، والحرّية ، والعدالة ، والذكورة ، وأما شرط كونه من قريش عند الجمهور فلئلا يضعف أمام القبائل بغضاضة . وانتصب فَيُضِلَّكَ بعد فاء السببية في جواب النهي . ومعنى جواب النهي جواب المنهي عنه فهو السبب في الضلال وليس النهي سببا في الضلال . وهذا بخلاف طريقة الجزم في جواب النهي . و سَبِيلِ اللَّهِ : الأعمال التي تحصل منها مرضاته وهي الأعمال التي أمر اللّه بها ووعد بالجزاء عليها ، شبّهت بالطريق الموصل إلى اللّه ، أي إلى مرضاته . وجملة : إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إلى آخرها يظهر أنها مما خاطب اللّه به داود ، وهي عند أصحاب العدد آية واحدة من قوله : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ إلى يَوْمَ الْحِسابِ ، فهي في موقع العلة للنهي ، فكانت ( إنّ ) مغنية عن فاء التسبب والترتب ، فالشيء الذي يفضي إلى العذاب الشديد خليق بأن ينهى عنه ، وإن كانت الجملة كلاما منفصلا عن خطاب داود كانت معترضة ومستأنفة استئنافا بيانيا لبيان خطر الضلال عن سبيل اللّه . والعموم الذي في قوله الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يكسب الجملة وصف التذييل أيضا وكلا الاعتبارين موجب لعدم عطفها . وجيء بالموصول للإيماء إلى أن الصلة علة لاستحقاق العذاب . واللام في لَهُمْ عَذابٌ للاختصاص ، والباء في بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ سببية . و ( ما ) مصدرية ، أي بسبب نسيانهم يوم الحساب ، وتتعلق الباء بالاستقرار الذي ناب عنه المجرور في قوله : لَهُمْ عَذابٌ . والنسيان : مستعار للإعراض الشديد لأنه يشبه نسيان المعرض عنه كما في قوله تعالى : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [ التوبة : 67 ] ، وهو مراتب أشدها إنكار البعث والجزاء ، قال تعالى : فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ [ السجدة : 14 ] . ودونه مراتب كثيرة تكون على وفق مراتب العذاب لأنه إذا كان السبب ذا مراتب كانت المسببات تبعا لذلك . والمراد ب يَوْمَ الْحِسابِ ما يقع فيه من الجزاء على الخير والشر ، فهو في المعنى على تقدير مضاف ، أي جزاء يوم الحساب على حدّ قوله تعالى : وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ