الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

139

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

على كلا الاحتمالين ، أي لما علم ذلك طلب الغفران من ربه لما صنع . وخرّ خرورا : سقط ، وقد تقدم في قوله تعالى : فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ في سورة [ النحل : 26 ] . والركوع : الانحناء بقصد التعظيم دون وصول إلى الأرض قال تعالى : تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً [ الفتح : 29 ] ، فذكر شيئين . قالوا : لم يكن لبني إسرائيل سجود على الأرض وكان لهم الركوع ، وعليه فتقييد فعل خَرَّ بحال راكِعاً تمجّز في فعل خَرَّ بعلاقة المشابهة تنبيها على شدة الانحناء حتى قارب الخرور . ومن قال : كان لهم السجود جعل إطلاق الرجوع عليه مجازا بعلاقة الإطلاق . وقال ابن العربي : لا خلاف في أن الركوع هاهنا السجود ، قلت : الخلاف موجود . والمعروف أنه ليس لبني إسرائيل سجود بالجبهة على الأرض ، ويحتمل أن يكون السجود عبادة الأنبياء كشأن كثير من شرائع الإسلام كانت خاصة بالأنبياء من قبل كما تقدم في قوله تعالى : فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ البقرة : 132 ] ، وتقدم قوله تعالى : وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً في سورة يوسف [ 100 ] . وكان ركوع داود عليه السلام تضرعا للّه تعالى ليقبل استغفاره . والإنابة : التوبة : يقال : أناب ، ويقال : ناب . وتقدم عند قوله تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ في سورة هود [ 75 ] . وعند قوله : مُنِيبِينَ إِلَيْهِ في سورة الروم [ 31 ] . وهنا موضع سجدة من سجود القرآن من العزائم عند مالك لثبوت سجود النبي صلّى اللّه عليه وسلم عندها . ففي « صحيح البخاري » عن مجاهد « سألت ابن عباس عن السجدة في ص فقال : أو ما تقرأ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ [ الأنعام : 84 ] إلى قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] فكان داود ممن أمر نبيئكم أن يقتدي به فسجدها داود فسجدها رسول اللّه » . وفي « سنن أبي داود » عن ابن عباس « ليس ص من عزائم السجود ، وقد رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم سجد فيها » . وفيه عن أبي سعيد الخدري قال : « قرأ رسول اللّه وهو على المنبر ص فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشزّن الناس للسجود ( أي تهيّئوا وتحركوا لأجله ) فقال رسول اللّه : إنما هي توبة نبيء ولكني رأيتكم تشزّنتم للسجود فنزل فسجد وسجدوا » ، وقول أبي حنيفة فيها مثل قول مالك ولم ير الشافعي سجودا في هذه الآية إمّا لأجل قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إنما هي توبة