الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
136
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وذكر غالب أحوال الخلطاء أراد به الموعظة لهما بعد القضاء بينهما على عادة أهل الخير من انتهاز فرص الهداية فأراد داود عليه السلام أن يرغبهما في إيثار عادة الخلطاء الصالحين وأن يكرّه إليهما الظلم والاعتداء . ويستفاد من المقام أنه يأسف لحالهما ، وأنه أراد تسلية المظلوم عما جرى عليه من خليطه ، وأن له أسوة في أكثر الخلطاء . وفي تذييل كلامه بقوله : وَقَلِيلٌ ما هُمْ حثّ لهما أن يكونا من الصالحين لما هو متقرر في النفوس من نفاسة كل شيء قليل ، قال تعالى : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [ المائدة : 100 ] . والسبب في ذلك من جانب الحكمة أن الدواعي إلى لذات الدنيا كثيرة والمشي مع الهوى محبوب ومجاهدة النفس عزيزة الوقوع ، فالإنسان محفوف بجواذب السيئات ، وأمّا دواعي الحق والكمال فهو الدين والحكمة ، وفي أسباب الكمال إعراض عن محركات الشهوات ، وهو إعراض عسير لا يسلكه إلا من سما بدينه وهمته إلى الشرف النفساني وأعرض عن الداعي الشهواني ، فذلك هو العلة في هذا الحكم بالقلة . وزيادة ما بعد قَلِيلٌ لقصد الإبهام كما تقدم آنفا في قوله : جُنْدٌ ما هُنالِكَ [ ص : 11 ] ، وفي هذا الإبهام إيذان بالتعجب من ذلك بمعونة السياق والمقام كما أفادت زيادتها في قول امرئ القيس : وحديث الركب يوم هنا * وحديث ما على قصره معنى التلهف والتشوق . وقد اختلف المفسرون في ماهية هاذين الخصمين ، فقال السديّ والحسن ووهب بن منبّه : كانا ملكين أرسلهما اللّه في صورة رجلين لداود عليه السلام لإبلاغ هذا المثل إليه عتابا له . ورواه الطبري عن أنس مرفوعا . وقيل كانا أخوين شقيقين من بني إسرائيل ، أي ألهمهما اللّه إيقاع هذا الوعظ . واعلم أن سوق هذا النبأ عقب التنويه بداود عليه السلام ليس إلا تتميما للتنويه به لدفع ما قد يتوهم أنه ينقض ما ذكر من فضائله مما جاء في كتاب « صمويل الثاني » من كتب اليهود في ذكر هذه القصة من أغلاط باطلة تنافي مقام النبوءة فأريد بيان المقدار الصادق منها وتذييله بأن ما صدر عن داود عليه السلام يستوجب العتاب ولا يقتضي العقاب ولذلك ختمت بقوله تعالى : وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ [ ص : 40 ] . وبهذا