الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

124

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ ، أخبر أوّلا عنهم بأنهم كذبوا وأكد ذلك بالإخبار عنهم بأنهم ليسوا إلّا مكذبين على وجه الحصر كأنهم لا صفة لهم إلا تكذيب الرسل لتوغلهم فيها وكونها هجّيراهم . و إِنْ نافية ، وتنوين كُلٌّ تنوين عوض ، والتقدير : إن كلّهم . وجيء بالمسند فعلا في قوله : كَذَّبَ الرُّسُلَ ليفيد تقديم المسند إليه عليه تخصيص المسند إليه بالمسند الفعلي فحصل بهذا النظم تأكيد الحصر . وتعدية كَذَّبَ إلى الرُّسُلَ بصيغة الجمع مع أن كل أمة إنما كذبت رسولها ، مقصود منه تفظيع التكذيب لأن الأمة إنما كذّبت رسولها مستندة لحجة سفسطائية هي استحالة أن يكون واحد من البشر رسولا من اللّه فهذه السفسطة تقتضي أنهم يكذبون جميع الرسل . وقد حصل تسجيل التكذيب عليهم بفنون من تقوية ذلك التسجيل وهي إبهام مفعول كَذَّبَتْ في قوله : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ثم تفصيله بقوله : إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ وما في قوله : إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ من الحصر ، وما في تأكيده بالمسند الفعلي في قوله : إِلَّا كَذَّبَ ، وما في جعل المكذّب به جميع الرسل ، فأنتج ذلك التسجيل استحقاقهم عذاب اللّه في قوله : فَحَقَّ عِقابِ ، أي عقابي ، فحذفت ياء المتكلم للرعاية على الفاصلة وأبقيت الكسرة في حالة الوصل . وحق : تحقق ، أي كان حقّا ، لأنه اقتضاه عظيم جرمهم . والعقاب : هو ما حلّ بكل أمة منهم من العذاب وهو الغرق والتمزيق بالريح ، والغرق أيضا ، والصيحة ، والخسف ، وعذاب يوم الظّلة . وفي هذا تعريض بالتهديد لمشركي قريش بعذاب مثل عذاب أولئك لاتحادهم في موجبه . [ 15 ] [ سورة ص ( 38 ) : آية 15 ] وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ ( 15 ) لما أشعر قوله : فَحَقَّ عِقابِ [ ص : 14 ] بتهديد مشركي قريش بعذاب ينتظرهم جريا على سنة اللّه في جزاء المكذبين رسله ، عطف على جملة الإخبار عن حلول العذاب بالأحزاب السابقين جملة توعد بعذاب الذين ماثلوهم في التكذيب . و هؤُلاءِ إشارة إلى كفار قريش لأن تجدد دعوتهم ووعيدهم وتكذيبهم يوما فيوما جعلهم كالحاضرين فكانت الإشارة مفهوما منها أنها إليهم ، وقد تتبعت اصطلاح القرآن فوجدته إذا استعمل هؤُلاءِ ولم يكن معه مشار إليه مذكور : أنه يريد به المشركين من