الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
117
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ضمير عَلَيْهِ ، فأنكروا أن يخص محمد صلّى اللّه عليه وسلم بالإرسال وإنزال القرآن دون غيره منهم ، وهذا هو المحكي في قوله تعالى : وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] أي من مكة أو الطائف ولم يريدوا بهذا الإنكار تجويز أصل الرسالة عن اللّه وإنما مرادهم استقصاء الاستبعاد فإنهم أنكروا أصل الرسالة كما اقتضاه قوله تعالى : وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ [ ص : 4 ] وغيره من الآيات ، وهذا الأصل الثاني من أصول كفرهم التي تقدم ذكرها عند قوله تعالى : أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً [ ص : 5 ] وهو أصل إنكار بعثه رسول منهم . بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي . يجوز أن يكون هذا جوابا عن قولهم : أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا أي ليس قصدهم الطعن في اختصاصك بالرسالة ولكنهم شاكّون في أصل إنزاله ، فتكون بَلْ إضرابا إبطاليا تكذيبا لما يظهر من إنكارهم إنزال الذكر عليه من بينهم على ما تقدم ، أي إنما قصدهم الشك في أن اللّه يوحي إلى أحد بالرسالة ، فيكون معنى فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي شكّا من وقوعه . والشك يطلق على اليقين مجازا مرسلا بعلاقة الإطلاق والتقييد فيكون كمعنى قوله تعالى : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [ الأنعام : 33 ] . ويجوز أن يكون انتقالا من خبر عنهم إلى خبر آخر فيكون استئنافا وتكون بَلْ للإضراب الانتقالي ، والمعنى : وهم في شك من ذكري ، أي في شك من كنه القرآن ، فمرة يقولون : افتراه ، ومرة يقولون : شعر ، ومرة : سحر ، ومرة : أساطير الأولين ، ومرة : قول كاهن . فالمراد بالشك حقيقته أي التردد في العلم . وإضافة الذكر إلى ضمير المتكلم وهو اللّه تعالى إضافة تشريف ولتحقيق كونه من عند اللّه . والذكر على هذا الوجه هو عين المراد من قوله : أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ وإنما وقع التعبير عنه بالظاهر دون الضمير توصلا إلى التنويه به بأنه من عند اللّه . و فِي للظرفية المجازية ، جعلت ملابسة الشك إياهم بمنزلة الظرف المحيط بمحويه في أنه لا يخلو منه جانب من جوانبه . و مِنْ في قوله : مِنْ ذِكْرِي ابتدائية لكون الشك صفة لهم ، أي نشأ لهم الشك من شأن ذكري ، أي من جانب نفي وقوعه ، أو في جانب ما يصفونه به . بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ . أتبع ذلك الإضراب بإضراب آخر يبين أن الذي جرّأهم على هذا الشقاق أنهم لما