الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
107
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وعند أبي طالب مجلس رجل ، فقام أبو جهل كي يمنع النبي صلّى اللّه عليه وسلم من أن يجلس وشكوه إلى أبي طالب ، فقال : يا بن أخي ما تريد من قومك ؟ قال : إني أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب وتؤدّي إليهم العجم الجزية . قال : كلمة واحدة ! قال : يا عم يقولوا لا إله إلا اللّه فقالوا : أإلها واحدا ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلّا اختلاق ، قال فنزل فيهم القرآن ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ ص : 1 ] إلى قوله : ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ ص : 7 ] قال : حديث حسن . فهذا نص في أن نزولها في آخر حياة أبي طالب وهذا المرض مرض موته كما في ابن عطية فتكون هذه السورة قد نزلت في سنة ثلاث قبل الهجرة . أغراضها أصلها ما علمت من حديث الترمذي في سبب نزولها . وما اتصل به من توبيخ المشركين على تكذيبهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وتكبرهم عن قبول ما أرسل به ، وتهديدهم بمثل ما حلّ بالأمم المكذبة قبلهم وأنهم إنما كذبوه لأنه جاء بتوحيد اللّه تعالى ولأنه اختص بالرسالة من دونهم . وتسلية الرسول صلّى اللّه عليه وسلم عن تكذيبهم وأن يقتدي بالرسل من قبله داود وأيوب وغيرهم وما جوزوا عن صبرهم ، واستطراد الثناء على داود وسليمان وأيوب ، وأتبع ذكر أنبياء آخرين لمناسبة سنذكرها . وإثبات البعث لحكمة جزاء العالمين بأعمالهم من خير أو شر . وجزاء المؤمنين المتقين وضده من جزاء الطاغين والذين أضلّوهم وقبّحوا لهم الإسلام والمسلمين . ووصف أحوالهم يوم القيامة . وذكر أول غواية حصلت وأصل كل ضلالة وهي غواية الشيطان في قصة السجود لآدم . وقد جاءت فاتحتها مناسبة لجميع أغراضها إذ ابتدئت بالقسم بالقرآن الذي كذب به المشركون ، وجاء المقسم عليه أن الذين كفروا في عزّة وشقاق وكل ما ذكر فيها من أحوال المكذبين سببه اعتزازهم وشقاقهم ، ومن أحوال المؤمنين سببه ضد ذلك ، مع ما في الافتتاح بالقسم من التشويق إلى ما بعده فكانت فاتحتها مستكملة خصائص حسن الابتداء . [ 1 ] [ سورة ص ( 38 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ( 1 ) ص القول في هذا الحرف كالقول في نظائره من الحروف المقطعة الواقعة في أوائل