الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

98

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

السامع : كيف لا يكون له على ما قام به أجر ، فأجيب بأن أجره مضمون وعده اللّه به لأنه إنما يقوم بعمل لمرضاته وامتثال أمره فعليه أجره . وحرف عَلَى يقتضي أنه حق اللّه وذلك بالنظر إلى وعده الصادق ، ثم ذيّل ذلك باستشهاد اللّه تعالى على باطنه ونيته التي هي من جملة الكائنات التي اللّه شهيد عليها ، وعليم بخفاياها فهو من باب : قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [ الرعد : 43 ] أي وهو شاهد على ذلك كله . والأجر : عوض نافع على عمل سواء كان مالا أو غيره . وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص ياء أَجْرِيَ مفتوحة . وقرأها ابن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي ساكنة ، وهما وجهان من وجوه ياء المتكلم في الإضافة . [ 48 ] [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 48 ] قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 48 ) لا جرم إذ انتهى الاستدلال والمجادلة أن ينتقل إلى النداء بين ظهرانيهم بظهور الحق فيستغنى عن مجادلتهم . وأعيد فعل قُلْ للاهتمام بالمقول كما أشرنا إليه آنفا . والتأكيد لتحقيق هذا الخبر . والتعبير عن اسم اللّه بلفظ الرب وإضافته إلى ضمير المتكلم للإشارة أن الحق في جانبه وأنه تأييد من ربه فإن الرب ينصر مربوبه ويؤيده . فالمراد بالربوبية هنا ربوبية الولاء والاختصاص لا مطلق الربوبية لأنها تعمّ الناس كلهم . وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي للدلالة على الاختصاص دون التقوّي لأن تقوّي الجملة حصل بحرف التأكيد . وهذا الاختصاص باعتبار ما في يَقْذِفُ بِالْحَقِّ من معنى : الناصر لي دونكم فما ذا ينفعكم اعتزازكم بأموالكم وأولادكم وقوتكم . والقذف : إلقاء شيء من اليد ، وأطلق على إظهار الحق قذف على سبيل الاستعارة ، شبه إعلان الحق بإلقاء الحجر ونحوه . والمعنى : أن ربي يقذفكم بالحق . أو هو إشارة إلى قوله : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ [ الأنبياء : 18 ] وعلى كل فهو تعريض بالتهديد والتخويف من نصر اللّه المؤمنين على المشركين .