الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

93

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وهو قصر إضافي ، أي لا بغيرها من المواعظ المفصلة ، أي إن استكثرتم الحجج وضجرتم من الردود والمطاعن فأنا أختصر المجادلة في كلمة واحدة فقد كانوا يتذمرون من القرآن لأبي طالب : أما ينتهي ابن أخيك عن شتم آلهتنا وآبائنا . وهذا كما يقول المناظر والجدلي بعد بسط الأدلة فيقول : والخلاصة أو والفذلكة كذا . وقد ارتكب في هذه الدعوة تقريب مسالك النظر إليهم باختصاره ، فوصف بأنه خصلة واحدة لئلا يتجهّموا الإقبال على هذا النظر الذي عقدوا نياتهم على رفضه ، فأعلموا بأن ذلك لا يكلفهم جهدا ولا يضيع عليهم زمنا فليتأملوا فيه قليلا ثم يقضوا قضاءهم ، والكلام على لسان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمره اللّه أن يخاطبهم به . والوعظ : كلام فيه تحذير من مكروه وترغيب في ضده . وتقدم عند قوله تعالى : وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ في سورة الأعراف [ 145 ] ، وقوله : يَعِظُكُمُ اللَّهُ في سورة النور [ 17 ] . و « واحدة » صفة لمحذوف يدل عليه المقام ويفرضه السامع نحو : بخصلة ، أو بقضية ، أو بكلمة . والمقصود من هذا الوصف تقليلها تقريبا للأفهام واختصارا في الاستدلال وإيجازا في نظم الكلام واستنزالا لطائر نفورهم وإعراضهم . وبنيت هذه الواحدة بقوله : أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى إلى آخره ، فالمصدر المنسبك من أَنْ والفعل في موضع البدل من « واحدة » ، أو قل عطف بيان فإن عطف البيان هو البدل المطابق . وإنما اختلف التعبير عنه عند المتقدمين فلا تخض في محاولة الفرق بينهما كالذي خاضوا . والقيام في قوله : أَنْ تَقُومُوا مراد به المعنى المجازي وهو التأهب للعمل والاجتهاد فيه كقوله تعالى : وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ [ النساء : 127 ] . واللام للتعليل ، أي لأجل اللّه ولذاته ، أي جاعلين عملكم للّه لا لمرضاة صاحب ولا عشيرة ، وهذا عكس قوله تعالى : وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ [ العنكبوت : 25 ] ، أو لأجل معرفة اللّه والتدبر في صفاته . وكلمة مَثْنى معدول بها عن قولهم : اثنين اثنين ، بتكرير كلمة اثنين تكريرا يفيد معنى ترصيف الأشياء المتعددة بجعل كل ما يعدّ بعدد اثنين منه مرصفا على نحو عدده .