الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

85

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

صالحا لمعنى فاعل ولمعنى مفعول . فيقع اسم الوليّ على الموالي بكسر اللام وعلى الموالي بفتحها وقد ورد بالمعنيين في القرآن وكلام العرب كثيرا . فمعنى أَنْتَ وَلِيُّنا لا نوالي غيرك ، أي لا نرضى به وليّا ، والعبادة ولاية بين العابد والمعبود ، ورضى المعبود بعبادة عابده إياه ولاية بين المعبود وعابده ، فقول الملائكة سُبْحانَكَ تبرؤ من الرضى بأن يعبدهم المشركون لأن الملائكة لما جعلوا أنفسهم موالين للّه فقد كذبوا المشركين الذين زعموا لهم الإلهية ، لأن العابد لا يكون معبودا . وقد تقدم الكلام على لفظ ( ولي ) عند قوله تعالى : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا في سورة الأنعام [ 14 ] وفي آخر سورة الرعد . و مِنْ زائدة للتوكيد و ( دون ) اسم لمعنى غير ، أي أنت ولينا وهم ليسوا أولياء لنا ولا نرضى بهم لكفرهم ف مِنْ دُونِهِمْ تأكيد لما أفادته جملة أَنْتَ وَلِيُّنا من الحصر لتعريف الجزأين . و بَلْ للإضراب الانتقالي انتقالا من التبرؤ منهم إلى الشهادة عليهم وعلى الذين سوّلوا لهم عبادة غير اللّه تعالى ، وليس إضراب إبطال لأن المشركين المتحدث عنهم كانوا يعبدون الملائكة ، والمعنى : بل كان أكثر هؤلاء يعبدون الجن وكان الجنّ راضين بعبادتهم إياهم . وحاصل المعنى : أنا منكرون عبادتهم إيانا ولم نأمرهم بها ولكن الجن سوّلت لهم عبادة غير اللّه فعبدوا الجن وعبدوا الملائكة . وجملة أَكْثَرُهُمْ للمشركين وضمير بِهِمْ للجن ، والمقام يردّ كل ضمير إلى معاده ولو تماثلت الضمائر كما في قول عباس بن مرداس يوم حنين : عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم * بالمسلمين وأحرزوا ما جمّعوا أي أحرز جمع المشركين ما جمّعه المسلمون من مغانم . وقرأ الجمهور نحشرهم ونقول بنون العظمة . وقرأ حفص عن عاصم بياء الغائب فيهما ، والضمير عائد إلى رَبِّي من قوله : قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ [ سبأ : 39 ] . [ 42 ] [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 42 ] فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 42 )