الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
62
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وانتصب شُرَكاءَ على الحال من اسم الموصول . والمعنى : شركاء له . ولما أعرض عن الخوض في آثار هذه الإراءة علم أنهم مفتضحون عند تلك الإراءة فقدرت حاصلة ، وأعقب طلب تحصيلها بإثبات أثرها وهو الردع عن اعتقاد إلهيتها ، وإبطالها عنهم بإثباتها للّه تعالى وحده فلذلك جمع بين حرفي الردع والإبطال ثم الانتقال إلى تعيين الإله الحق على طريقة قوله : كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [ الفجر : 17 ] . وضمير هُوَ اللَّهُ ضمير الشأن . والجملة بعده تفسير لمعنى الشأن و الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ خبران ، أي بل الشأن المهمّ اللّه العزيز الحكيم لا آلهتكم ؛ ففي الجملة قصر العزة والحكم على اللّه تعالى كناية عن قصر الإلهية عليه تعالى قصر إفراد . ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى الإله المفهوم من قوله : الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ وهو مبتدأ والجملة بعده خبر . ويجوز أن يكون عائدا إلى المستحضر في الذهن وهو اللّه . وتفسيره قوله : اللَّهُ فاسم الجلالة عطف بيان . و الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ خبران عن الضمير . والفرق بين هذا الوجه وبين الوجه الأول يظهر في اختلاف مدلول الضمير المنفصل واختلاف موقع اسم الجلالة بعده ، واختلاف موقع الجملة بعد ذلك . والعزّة : الاستغناء عن الغير . و الْحَكِيمُ : وصف من الحكمة وهي منتهى العلم ، أو من الإحكام وهو إتقان الصنع ، شاع في الأمرين . وهذا إثبات لافتقار أصنامهم وانتفاء العلم عنها . وهذا مضمون قول إبراهيم عليه السلام : يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً [ مريم : 42 ] . [ 28 ] [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 28 ] وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 28 ) انتقال من إبطال ضلال المشركين في أمر الربوبية إلى إبطال ضلالهم في شأن صدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . وغيّر أسلوب الكلام من الأمر بمحاجة المشركين إلى الإخبار برسالة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تشريفا له بتوجيه هذا الإخبار بالنعمة العظيمة إليه ، ويحصل إبطال مزاعم المشركين بطريق التعريض . وفي هذه الآية إثبات رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم على منكريها من العرب وإثبات عمومها على