الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
55
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقد طويت جمل من وراء حَتَّى ، والتقدير : إلا لمن أذن له ويومئذ يبقى الناس مرتقبين الإذن لمن يشفع ، فزعين من أن لا يؤذن لأحد زمنا ينتهي بوقت زوال الفزع عن قلوبهم حين يؤذن للشافعين بأن يشفعوا ، وهو إيجاز حذف . و إِذا ظرف للمستقبل وهو مضاف إلى جملة فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ومتعلق ب قالُوا . و فُزِّعَ قرأه الجمهور بضم الفاء وكسر الزاي مشددة ، وهو مضاعف فزع . والتضعيف فيه للإزالة مثل : قشّر العود ، ومرّض المريض إذا باشر علاجه ، وبني للمجهول لتعظيم ذلك التفزيع بأنه صادر من جانب عظيم ، ففيه جانب الآذن فيه ، وجانب المبلغ له وهو الملك . والتفزيع يحصل لهم بانكشاف إجمالي يلهمونه فيعلمون بأن اللّه أذن بالشفاعة ثم يتطلبون التفصيل بقولهم : ما ذا قالَ رَبُّكُمْ ليعلموا من أذن له ممن لم يؤذن له ، وهذا كما يكرّر النظر ويعاود المطالعة من ينتظر القبول ، أو هم يتساءلون عن ذلك من شدة الخشية فإنهم إذا فزّع عن قلوبهم تساءلوا لمزيد التحقق بما استبشروا به فيجابون أنه قال الحق . فضمير قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ عائد على بعض مدلول قوله : لِمَنْ أَذِنَ لَهُ . وهم الذين أذن للشفعاء بقبول شفاعتهم منهم وهم يوجهون هذا الاستفهام إلى الملائكة الحافّين ، وضمير قالُوا الْحَقَّ عائد إلى المسؤولين وهم الملائكة . ويظهر أن كلمة الْحَقَّ وقعت حكاية لمقول اللّه بوصف يجمع متنوع أقوال اللّه تعالى حينئذ من قبول شفاعة في بعض المشفوع فيهم ومن حرمان لغيرهم كما يقال : ما ذا قال القاضي للخصم ؟ فيقال : قال الفصل . فهذا حكاية لمقول اللّه بالمعنى . وانتصاب الْحَقَّ على أنه مفعول قالُوا يتضمن معنى الكلام ، أي قال الكلام الحق ، كقوله : وقصيدة تأتي الملوك غريبة * قد قلتها ليقال من ذا قالها هذا هو المعنى الذي يقتضيه نظم الآية ويلتئم مع معانيها . وقد ذهبت في تفسيرها أقوال كثير من المفسرين طرائق قددا ، وتفرقوا بددا بددا . و ( ذا ) من قوله : ما ذا إشارة عوملت معاملة الموصول لأن أصل : ما ذا قالَ :