الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

51

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

التعلق ولم يعين قائله . وخولف في النظم بين الصلتين فجاءت جملة مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ فعلية ، وجاءت جملة هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ اسمية لأن الإيمان بالآخرة طارئ على كفرهم السابق ومتجدد ومتزايد آنا فآنا . فكان مقتضى الحال إيراد الفعل في صلة أصحابه . وأما شكهم في الآخرة فبخلاف ذلك هو أمر متأصل فيهم فاجتلبت لأصحابه الجملة الاسمية . وجيء بحرف الظرفية للدلالة على إحاطة الشك بنفوسهم ويتعلق قوله : مِنْها بقوله : « بشك » . وجملة وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ تذييل . والحفيظ : الذي لا يخرج عن مقدرته ما هو في حفظه ، وهو يقتضي العلم والقدرة إذ بمجموعهما تتقوم ماهية الحفظ ولذلك يتبع الحفظ بالعلم كثيرا كقوله تعالى : إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [ يوسف : 55 ] . وصيغة فعيل تدل على قوة الفعل وأفاد عموم كُلِّ شَيْءٍ أنه لا يخرج عن علمه شيء من الكائنات فتنزل هذا التذييل منزلة الاحتراس عن غير المعنى الكنائي من قوله : لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ ، أي ليظهر ذلك لكل أحد فتقوم الحجة لهم وعليهم . [ 22 ، 23 ] [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 22 إلى 23 ] قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ( 22 ) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( 23 ) كانت قصة سبا قد ضربت مثلا وعبرة للمشركين من قريش وكان في أحوالهم مثيل لأحوال المشركين في أمن بلادهم وتيسير أرزاقهم وتأمين سبلهم في أسفارهم مما أشار إليه قوله تعالى : أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً تجبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ [ القصص : 57 ] وقوله : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ [ قريش : 1 ] إلى آخر السورة ، ثم فيما قابلوا به نعمة اللّه بالإشراك به وكفران نعمته وإفحامهم دعاة الخير الملهمين من لدنه إلى دعوتهم ، فلما تقضى خبرهم لينتقل منه إلى تطبيق العبرة على من قصد اعتبارهم انتقالا مناسبته بينة وهو أيضا عود إلى إبطال أقوال المشركين ، وسيق لهم من الكلام ما هو فيه توقيف على أخطائهم ، وأيضا فلما جرى من استهواء الشيطان أهل سبا فاتبعوه وكان الشيطان مصدر الضلال وعنصر الإشراك أعقب ذكره بذكر فروعه وأوليائه . وافتتح الكلام بأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يقول لهم ما هو متتابع في بقية هذه الآيات