الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

39

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ إلى آخره . وإطلاق اسم الجنتين على هذه المنابت مشاكلة للتهكم كقول عمرو بن كلثوم : قريناكم فعجلنا قراكم * قبيل الصبح مرادة طحونا وقوله تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * [ الانشقاق : 24 ] . وقد وصف الأعشى هذه الحالة بدءا ونهاية بقوله : وفي ذاك للمؤنسي عبرة * ومأرب عفى عليها العرم رخام بنته لهم حمير * إذا جاء موّارة لم يرم فأروى الزروع وأعنابها * على سعة ماؤهم إذا قسم فعاشوا بذلك في غبطة * فحاربهم جارف منهزم فطار القيول وقيلاتها * ببهماء فيها سراب يطم فطاروا سراعا وما يقدرو * ن منه لشرب صبيّ فطم والخمط : شجر الأراك . ويطلق الخمط على الشيء المرّ . والأثل : شجر عظيم من شجر العضاه يشبه الطرفاء . والسدر : شجر من العضاه أيضا له شوك يشبه شجر العناب . وكلها تنبت في الفيافي . والسدر : أكثرها ظلا وأنفعها لأنه يغسل بورقه مع الماء فينظف وفيه رائحة حسنة ولذلك وصف هنا بالقليل لإفادة أن معظم شجرهم لا فائدة منه ، وزيد تقليله قلة بذكر كلمة شَيْءٍ المؤذنة في ذاتها بالقلة . يقال : شيء من كذا ، إذا كان قليلا . وفي القرآن : وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [ يوسف : 67 ] . والأكل - بضم الهمزة وسكون الكاف وبضم الكاف - : المأكول . قرأه نافع وابن كثير بضم الهمزة وسكون الكاف . وقرأه باقي العشرة بضم الكاف . وقرأ الجمهور أُكُلٍ بالتنوين مجرورا فإذا كان خَمْطٍ مرادا به الشجر المسمّى بالخمط ، فلا يجوز أن يكون خَمْطٍ صفة ل أُكُلٍ لأن الخمط شجر ، ولا أن يكون بدلا من أُكُلٍ كذلك ، ولا عطف بيان كما قدره أبو علي لأن عطف البيان كالبدل المطابق ، فتعين أن يكون خَمْطٍ هنا صفة يقال : شيء خامط إذا كان مرّا . وقرأه أبو عمرو ويعقوب أُكُلٍ بالإضافة إلى خَمْطٍ ، فالخمط إذن مراد به شجر