الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

278

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً [ النحل : 73 ] . والاستفهام في قوله : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ إنكاري . و مَنْ عامة في كل من يسند إليه الخبر . فالمعنى : لا أحد يحيي العظام وهي رميم . فشمل عمومه إنكارهم أن يكون اللّه تعالى محييا للعظام وهي رميم ، أي في حال كونها رميما . وجملة قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ بيان لجملة ضَرَبَ لَنا مَثَلًا كقوله تعالى : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ [ طه : 120 ] الآية ، فجملة قالَ يا آدَمُ بيان لجملة فَوَسْوَسَ . والنسيان في قوله : وَنَسِيَ خَلْقَهُ مستعار لانتفاء العلم من أصله ، أي لعدم الاهتداء إلى كيفية الخلق الأول ، أي نسي أننا خلقناه من نطفة ، أي لم يهتد إلى أن ذلك أعجب من إعادة عظمه كقوله تعالى : أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ ق : 15 ] . وذكر النطفة هنا تمهيد للمفاجأة بكونه خصيما مبينا عقب خلقه ، أي ذلك الهيّن المنشأ قد أصبح خصيما عنيدا ، وليبني عليه قوله بعد : وَنَسِيَ خَلْقَهُ أي نسي خلقه الضعيف فتطاول وجاوز ، ولأن خلقه من النطفة أعجب من إحيائه وهو عظم مجاراة لزعمه في مقدار الإمكان ، وإن كان اللّه يحيي ما هو أضعف من العظام فيحيي الإنسان من رماده ، ومن ترابه ، ومن عجب ذنبه ، ومن لا شيء باقيا منه . والرميم : البالي ، يقال : رمّ العظم وأرمّ ، إذا بلي فهو فعيل بمعنى المصدر ، يقال : رمّ العظم رميما ، فهو خبر بالمصدر ، ولذلك لم يطابق المخبر عنه في الجمعية وهي بلىّ . وأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يقول له يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أمر بجواب على طريقة الأسلوب الحكيم بحمل استفهام القائل على خلاف مراده لأنه لما قال : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ لم يكن قاصدا تطلب تعيين المحيي وإنما أراد الاستحالة ، فأجيب جواب من هو متطلب علما . فقيل له : يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ . فلذلك بني الجواب على فعل الإحياء مسندا للمحيي ، على أن الجواب صالح لأن يكون إبطالا للنفي المراد من الاستفهام الإنكاري كأنه قيل : بل يحييها الذي أنشأها أول مرة . ولم يبن الجواب على بيان إمكان الإحياء وإنما جعل بيان الإمكان في جعل المسند إليه موصولا لتدل الصلة على الإمكان فيحصل الغرضان ، فالموصول هنا إيماء إلى وجه بناء الخبر وهو يحييها ، أي