الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
263
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وسمع من قوله ، ثم رجع إلى أبي ذر فقال له : رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاما ما هو بالشعر . قال أبو ذر : فما يقول الناس ؟ قال : يقولون شاعر كاهن ، ساحر . وكان أنيس أحد الشعراء ، قال أنيس : لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر واللّه إنه لصادق وإنهم لكاذبون » ثم اقتص الخبر عن إسلام أبي ذر ، ويظهر أن ذلك كان في أول البعثة . ومثله خبر الوليد بن المغيرة الذي رواه البيهقي وابن إسحاق « أنه جمع قريشا عند حضور الموسم ليتشاوروا في أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لهم : إن وفود العرب ترد عليكم فأجمعوا فيه رأيا لا يكذب بعضكم بعضا ، فقالوا : نقول كاهن ؟ فقال : واللّه ما هو بكاهن ، ما هو بزمزمته ولا بسجعه ، قالوا : نقول مجنون ؟ فقال : واللّه ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا وسوسته ، فذكر ترددهم في وصفه إلى أن قالوا : نقول شاعر ؟ قال : ما هو بشاعر ، قد عرفت الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه وما هو بشاعر . . . » إلى آخر القصة . فمعنى وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ : وما أوحينا إليه شعرا علمناه إياه . وليس المراد أن اللّه لم يجعل في طبع النبي القدرة على نظم الشعر لأن تلك المقدرة لا تسمّى تعليما حتى تنفى وإنما يستفاد هذا المعنى من قوله بعده : وَما يَنْبَغِي لَهُ وسنتكلم عليه قريبا . وقد اقتضت الآية نفي أن يكون القرآن شعرا ، وهذا الاقتضاء قد أثار مطاعن للملحدين ومشاكل للمخلصين ، إذ وجدت فقرات قرآنية استكملت ميزان بحور من البحور الشعرية ، بعضها يلتئم منه بيت كامل ، وبعضها يتقوّم منه مصراع واحد ، ولا تجد أكثر من ذلك فهذا يلزم منه وقوع الشعر في آي القرآن . وقد أثار الملاحدة هذا المطعن ، فلذلك تعرض أبو بكر الباقلاني إلى دحضه في كتابه « إعجاز القرآن » وتبعه السكاكي وأبو بكر بن العربي ، فأما الباقلاني فانفرد بردّ قال فيه : إن البيت المفرد لا يسمّى شعرا بله المصراع الذي لا يكمل به بيت . وأرى هذا غير كاف هنا لأنه لا يستطاع نفي مسمّى الشعر عن المصراع وأولى عن البيت . وقال السكاكي في آخر مبحث ردّ المطاعن عن القرآن من كتاب « مفتاح العلوم » :