الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
250
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الرأس والكتف على الفراش . وهو افتعال من وكأ المهموز ، إذا اعتمد ، أبدلت واوه تاء كما أبدلت في تجاه وتراث ، وأخذ منه فعل اتكأ لأن المتّكأ يشد قعدته ويرسخها بضرب من الاضطجاع . والاسم منه التّكأة بوزن همزة ، وهو جلوس المتطلب للراحة والإطالة وهو جلسة أهل الرفاهية ، وقد تقدم عند قوله تعالى : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً في سورة يوسف [ 31 ] . وكان المترفهون من الأمم المتحضرة يأكلون متّكئين كان ذلك عادة سادة الفرس والروم ومن يتشبه بهم من العرب ولذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أمّا أنا فلا آكل متكئا » وذلك لأن الاتكاء يعين على امتداد المعدة فتقبل زيادة الطعام ولذلك كان الاتكاء في الطعام مكروها للإفراط في الرفاهية . وأما الاتكاء في غير حال الأكل فقد اتكأ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في مجلسه كما في حديث ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر : أنه دخل المسجد فسأل عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقيل له : « هو ذلك الأزهر المتكئ » . والفاكهة : ما يؤكل للتلذذ لا للشبع كالثمار والنقول وإنما خصت بالذكر لأنها عزيزة النوال للناس في الدنيا ولأنها استجلبها ذكر الاتكاء لأن شأن المتكئين أن يشتغلوا بتناول الفواكه . ثم عمم ما أعد لهم بقوله : وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ و يَدَّعُونَ يجوز أن يكون متصرفا من الدعاء أو من الادعاء ، أي ما يدعون إليه أو ما يدّعون في أنفسهم أنه لهم بإلهام إلهي . وصيغ له وزن الافتعال للمبالغة ، فوزن يَدَّعُونَ يفتعلون . أصله يدتعيون نقلت حركة الياء إلى العين طلبا للتخفيف لأن الضم على الياء ثقيل بعد حذف حركة العين فبقيت الياء ساكنة وبعدها واو الجماعة لأنه مفيد معنى الإسناد إلى الجمع . وهذا الافتعال لك أن تجعله من ( دعا ) ، والافتعال هنا يجعل فعل ( دعا ) قاصرا فينبغي تعليق مجرور به . والتقدير : ما يدعون لأنفسهم ، كقول لبيد : فاشتوى ليلة ريح واجتمل « 1 » اشتوى إذا شوى لنفسه واجتمل إذا جمل لنفسه ، أي جمع الجميل وهو الشحم المذاب وهو الإهالة .
--> ( 1 ) قبله : وغلام أرسلته أمه * بألوك فبذلنا ما سأل أرسلته فأتاه رزقه * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إلخ