الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
233
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فابتدأ ضوؤه وأخذ في الازدياد ليلة قليلة ثم أخذ في التناقص حتى عاد ، أي صار كالعرجون القديم ، أي شبيها به . وعبر عنه بهذا التشبيه إذ ليس لضوء القمر في أواخر لياليه اسم يعرف به بخلاف أول أجزاء ضوئه المسمّى هلالا ، ولأن هذا التشبيه يماثل حالة استهلاله كما يماثل حالة انتهائه . و عادَ بمعنى صار شكله للرائي كالعرجون . والعرجون : العود الذي تخرجه النخلة فيكون الثمر في منتهاه وهو الذي يبقى متصلا بالنخلة بعد قطع الكباسة منه وهي مجتمع أعواد التمر . و الْقَدِيمِ : هو البالي لأنه إذا انقطع الثمر تقوس وأصفار وتضاءل فأشبه صورة ما يواجه الأرض من ضوء القمر في آخر ليالي الشهر وفي أول ليلة منه ، وتركيب عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ صالح لصورة القمر في الليلة الأخيرة وهي التي يعقبها المحاق ولصورته في الليلة الأولى من الشهر هو الهلال . وقد بسط لهم بيان سير القمر ومنازله لأنهم كانوا يتقنون علمه بخلاف سير الشمس . [ 40 ] [ سورة يس ( 36 ) : آية 40 ] لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( 40 ) لما جرى ذكر الشمس والقمر في معرض الآيات الدالة على انفراده تعالى بالخلق والتدبير وعلى صفات إلهيته التي من متعلّقاتها تعلق صفة القدرة بآية الشمس وسيرها ، والقمر وسيره ، وقد سمّاها بعض المتكلمين صفات الأفعال وكان الناس يعرفون تقارب الشمس والقمر فيما يراه الراءون ، وكانوا يقدرون سيرهما بأسمات معلّمة بعلامات نجومية تسمى بروجا بالنسبة لسير الشمس ، وتسمى منازل بالنسبة لسير القمر ، وكانوا يعلمون شدة قرب المنازل القمرية من البروج الشمسية فإن كل برج تسامته منزلتان أو ثلاث منازل ، وبعض نجوم المنازل هي أجزاء من نجوم البروج ، زادهم اللّه عبرة وتعليما بأن للشمس سيرا لا يلاقي سير القمر ، وللقمر سيرا لا يلاقي سير الشمس ولا يمر أحدهما بطرائق مسير الآخر وأن ما يتراءى للناس من مشاهدة الشمس والقمر في جو واحد وفي حجمين متقاربين ، وما يتراءى لهم من تقارب نجوم بروج الشمس ونجوم منازل القمر ، إن هو إلّا من تخيلات الأبصار وتفاوت المقادير بين الأجرام والأبعاد . فالكرة العظيمة كالشمس تبدو مقاربة لكرة القمر في المرأى وإنما ذلك من تباعد