الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

231

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

في المسجد عند غروب الشمس فسألته ( أو فقال ) : إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخرّ ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها : ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ولا تزال كذلك حتى يقال لها : ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها : ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها فذلك مستقرّ لها ومستقرها تحت العرش فذلك قوله تعالى : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها . وهذا تمثيل وتقريب لسير الشمس اليومي الذي يبتدئ بشروقها على بعض الكرة الأرضية وينتهي بغروبها على بعض الكرة الأرضية ، في خطوط دقيقة ، وبتكرر طلوعها وغروبها تتكون السنة الشمسية . وقد جعل الموضع الذي ينتهي إليه سيرها هو المعبر عنه بتحت العرش وهو سمت معيّن لا قبل للناس بمعرفته ، وهو منتهى مسافة سيرها اليومي ، وعنده ينقطع سيرها في إبان انقطاعه وذلك حين تطلع من مغربها ، أي حين ينقطع سير الأرض حول شعاعها لأن حركة الأجرام التابعة لنظامها تنقطع تبعا لانقطاع حركتها هي وذلك نهاية بقاء هذا العالم الدنيوي . واللام في قوله لَها لام الاختصاص وهو صفة لِمُسْتَقَرٍّ . وعدل عن إضافة مستقر لضمير الشمس المغنية عن إظهار اللام إلى الإتيان باللام ليتأتى تنكير « مستقر » تنكيرا مشعرا بتعظيم ذلك المستقر . وكلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هذا تمثيل لحال الغروب والشروق اليوميين . وجعل سجود الشمس تمثيلا لتسخرها لتسخير اللّه إياها كما جعل القول تمثيلا له في آية فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصلت : 11 ] . واعلم أن قوله : لِمُسْتَقَرٍّ لَها إدماج للتعليم في التذكير وليس من آية الشمس للناس لأن الناس لا يشعرون به فهو كقوله تعالى : لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى [ الأنعام : 60 ] عقب الامتنان بقوله : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ [ الأنعام : 60 ] . والإشارة ب ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ إلى المذكور : إما من قوله : وَالشَّمْسُ