الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

227

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الزوج على معنى الصنف المتميز بخواصه من نوع الموجودات تشبيها له بصنف الذكر وصنف الأنثى كما في قوله تعالى : فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى وتقدم في سورة طه [ 53 ] ، والإطلاق الأول هو الكثير كما يؤخذ من كلام الراغب ، وهو الذي يناسبه نقل اللفظ من الزوج الذي يكون ثانيا لآخر ، فيجوز أن يحمل للأزواج في هذه الآية على المعنى الأول فيكون تذكيرا بخلق أصناف الحيوان الذي منه الذكر والأنثى ، وتكون مِنْ في المواضع الثلاثة ابتدائية متعلقة بفعل خَلَقَ . وهذا إدماج لذكر آية أخرى من آيات الانفراد بالخلق ، فخلق الحيوان بما فيه من القوى لتناسله وحماية نوعه وإنتاج منافعه ، هو أدق الخلق صنعا وأعمقه حكمة ، وأدخله في المنة على الإنسان ، بأن جعلت منافع الحيوان له كما في آية سورة المؤمنين . فمن أجل ذلك خصّ من بين الخلق الآخر بقرنه بالتسبيح لخالقه تنويها بشأنه وتفننا في سرد أعظم المواليد الناشئة عن إيداع قوة الحياة للأرض وانبثاق أنواع الأحياء وأصنافها منها ، كما أشار إليه الابتداء بذكر مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ قبل غيره من مبادئ التخلق لأنه الأسبق في تكوين مواد حياة الحيوان فإنه يتولد من النطف الذكور والإناث ، وتتولد النطف من قوى الأغذية الحاصلة من تناول النبات فذلك من معنى قوله : مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ أي ومما يتكون فيهم من أجزائهم الحيوانية . وجيء بضمير جماعة العقلاء تغليبا لنوع الإنسان نظرا لكونه المقصود بالعبرة بهذه الآية ، وللتخلص إلى تخصيصه بالعبرة في قوله : وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ . وإشارة قوله تعالى : وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ إلى أسرار مودعة في خلق أنواع الحيوان وأصنافه هي التي ميزت أنواعه عن بعض وميزت أصنافه وذكوره عن إناثه ، وأودعت فيه الروح الذي امتاز به عن النبات بتدبير شؤونه على حسب استعداد كل نوع وكل صنف حتى يبلغ في الارتقاء إلى أشرف الأنواع وهو نوع الإنسان ، فمعنى وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ : مما لا يعلمونه تفصيلا وإن كانوا قد يشعرون به إجمالا ، فإن المتأمل يعلم أن في المخلوقات أسرارا خفية لم تصل أفهامهم إلى إدراك كنهها ، ومن ذلك الروح فقد قال تعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 85 ] . وقد يتفاضل الناس في إدراك بعض تلك الخصائص إجمالا وتفصيلا ثم يستوون في عدم العلم ببعضها ، وقد يمتاز بعض الطوائف أو الأجيال بمعرفة شيء من دقائق الخلق بسبب اكتشاف أو تجربة أو تقضي آثار لم يكن يعرفها غير أولئك ثم يستوون فيما بقي