الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

22

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وعدل عن أن يقال : بل أنتم في العذاب والضلال إلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ إدماجا لتهديدهم . و الضَّلالِ : خطأ الطريق الموصّل إلى المقصود . و الْبَعِيدِ وصف به الضلال باعتبار كونه وصفا لطريق الضّال ، فإسناد وصفه إلى الضلال مجازي لأنه صفة مكان الضلال وهو الطريق الذي حاد عن المكان المقصود ، لأن الضالّ كلما توغّل مسافة في الطريق المضلول فيه ازداد بعدا عن المقصود فاشتد ضلاله ، وعسر خلاصه ، وهو مع ذلك ترشيح للإسناد المجازي . وقوله : فِي الْعَذابِ إدماج يصف به حالهم في الآخرة مع وصف حالهم في الدنيا . والظرفية بمعنى الإعداد لهم فحصل في حرف الظرفية مجازان إذا جعل العذاب والضلال لتلازمهما كأنهما حاصلان معا ، فهذا من استعمال الموضوع للواقع فيما ليس بواقع تنبيها على تحقيق وقوعه . [ 9 ] [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 9 ] أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 9 ) الفاء لتفريع ما بعدها على قوله : بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ [ سبأ : 8 ] إلخ ، لأن رؤية مخلوقات اللّه في السماء والأرض من شأنها أن تهديهم لو تأملوا حق التأمل . والاستفهام للتعجيب الذي يخالطه إنكار على انتفاء تأملهم فيما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ، أي من المخلوقات العظيمة الدالة على أن الذي قدّر على خلق تلك المخلوقات من عدم هو قادر على تجديد خلق الإنسان بعد العدم . والرؤية بصرية بقرينة تعليق إِلى . فمعنى الاستفهام عن انتفائها منهم انتفاء آثارها من الاستدلال بأحوال الكائنات السماوية والأرضية على إمكان البعث ، فشبه وجود الرؤية بعدمها واستعير له حرف النفي . والمقصود : حثهم على التأمل والتدبر ليتداركوا علمهم بما أهملوه . وهذا كقوله : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما