الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

219

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

محسّن الجناس . وفي هذا تعريض بالمشركين من أهل مكة إذ قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا [ الإسراء : 92 ] أي تأتي باللّه الذي تدّعي أنه أرسلك ومعه جنده من الملائكة ليثأر لك . فجملة وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ معترضة بين نوعي العقاب المنفي والمثبت ، لقصد الرد على المشركين بأن سنة اللّه تعالى لم تجر بإنزال الجنود على المكذبين وشأن العاصين أدون من هذا الاهتمام . والصيحة : المرة من الصياح ، بوزن فعلة ، فوصفها بواحدة تأكيد لمعنى الوحدة لئلا يتوهم أن المراد الجنس المفرد من بين الأجناس ، و صَيْحَةً منصوب على أنه خبر كانَتْ بعد الاستثناء المفرّغ ، ولحاق تاء التأنيث بالفعل مع نصب صَيْحَةً مشير إلى أن المستثنى منه المحذوف العقوبة أو الصيحة التي دلت عليها صَيْحَةً واحِدَةً ، أي لم تكن العقوبة أو الصيحة إلّا صيحة من صفتها أنها واحدة إلى آخره . وقرأ أبو جعفر برفع صَيْحَةً على أن « كان » تامة ، أي ما وقعت إلّا صيحة واحدة . ومجيء « إذا » الفجائية في الجملة المفرعة على إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً لإفادة سرعة الخمود إليهم بتلك الصيحة . وهذه الصيحة صاعقة كما قال تعالى حكاية عن ثمود : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ [ الحجر : 73 ] . والخمود : انطفاء النار ، استعير للموت بعد الحياة المليئة بالقوة والطغيان ، ليتضمن الكلام تشبيه حال حياتهم بشبوب النار وحال موتهم بخمود النار فحصل لذلك استعارتان إحداهما صريحة مصرحة ، وأخرى ضمنية مكنية ورمزها الأولى ، وهما الاستعارتان اللتان تضمنهما قول لبيد : وما المرء إلّا كالشهاب وضوئه * يحور رمادا بعد إذ هو ساطع وتقدم قوله تعالى : حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ في سورة الأنبياء [ 15 ] ، فكان هذا الإيجاز في الآية بديعا لحصول معنى بيت لبيد في ثلاث كلمات . وهذا يشير إلى حدث عظيم حدث بأهل أنطاكية عقب دعوة المرسلين وهو كرامة لشهداء أتباع عيسى عليه السلام ، فإن كانت الصيحة صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود كان الذين خمدوا بها جميع أهل القرية فلعلهم كانوا كفارا كلهم بعد موت الرجل الذي وعظهم وبعد مغادرة الرسل القرية . ولكن مثل هذا الحادث لم يذكر التاريخ حدوثه في أنطاكية ، فيجوز أن يهمل