الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

216

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ . والمقصود : التعريض بالمخاطبين في اتخاذهم تلك الآلهة بعلة أنها تشفع لهم عند اللّه وتقربهم إليه زلفى . وقد علم من انتفاء دفعهم الضر أنهم عاجزون عن جلب نفع لأن دواعي دفع الضر عن المولى أقوى وأهم ، ولحاق العار بالوليّ في عجزه عنه أشد . وجاء بوصف الرَّحْمنِ دون اسم الجلالة للوجه المتقدم آنفا عند قوله تعالى : قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ [ يس : 15 ] . والإنقاذ : التخليص من غلب أو كرب أو حيرة ، أي لا تنفعني شفاعتهم عند اللّه الذي أرادني بضر ولا ينقذونني من الضر إذا أصابني . وإذ قد نفي عن شفاعتهم النفع للمشفوع فيه فقد نفي عنهم أن يشفعوا بطريق الالتزام لأن من يعلم أنه لا يشفع لا يشفّع ، فكأنه قال : آتخذ من دونه آلهة لا شفاعة لهم عند اللّه ، لإبطال اعتقادهم أنهم شفعاء مقبولو الشفاعة . وإذ كانت شفاعتهم لا تنفع لعجزهم وعدم مساواتهم للّه الذي يضرّ وينفع في صفات الإلهية كان انتفاء أن ينقذوا أولى . وإنما ذكر العدول عن دلالة الفحوى إلى دلالة المنطوق لأن المقام مقام تصريح لتعلقه بالإيمان وهو أساس الصلاح . وجملة إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ جواب للاستفهام الإنكاري . فحرف إِذاً جزاء للمنفي لا للنفي ، أي إن اتخذت من دون اللّه آلهة أكن في ضلال مبين . وجملة إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ واقعة موقع الغاية من الخطاب والنتيجة من الدليل . وهذا إعلان لإيمانه وتسجيل عليهم بأن اللّه هو ربهم لا تلك الأصنام . وأكد الإعلان بتفريع فَاسْمَعُونِ استدعاء لتحقيق أسماعهم إن كانوا في غفلة . [ 26 ، 27 ] [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 26 إلى 27 ] قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ( 26 ) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ( 27 ) استئناف بياني لما ينتظره سامع القصة من معرفة ما لقيه من قومه بعد أن واجههم بذلك الخطاب الجزل . وهل اهتدوا بهديه أو أعرضوا عنه وتركوه أو آذوه كما يؤذى أمثاله من الداعين إلى الحق المخالفين هوى الدهماء فيجاب بما دل عليه قوله : قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ وهو الأهم عند المسلمين وهم من المقصودين بمعرفة مثل هذا ليزدادوا يقينا وثباتا