الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
20
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تفرقا قريبا من العدم ، وتكون بعد تفرق ما ، وتكون مع بقاء الأجساد على حالها بقاء متفاوتا في الصلابة والرطوبة ، وهم أنكروا إعادة الحياة في سائر الأحوال ، ولكنهم خصّوا في كلامهم الإعادة بعد التمزق كل ممزق ، أي بعد اضمحلال الأجساد أو تفرقها الشديد ، لقوة استحالة إرجاع الحياة إليها بعدئذ . والتمزيق : تفكيك الأجزاء المتلاصقة بعضها عن بعض بحيث تصير قطعا متباعدة . والممزّق : مصدر ميمي لمزّقه مثل المسرّح للتسريح . و كُلَّ على الوجهين مستعملة في معنى الكثرة كقوله تعالى : وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ [ يونس : 97 ] وقول النابغة : بها كل ذيّال . . . . . . . . وقد تقدم غير مرة . والخلق الجديد : الحديث العهد بالوجود ، أي في خلق غير الخلق الأول الذي أبلاه الزمان ، فجديد فعيل من جدّ بمعنى قطع . فأصل معنى جديد مقطوع ، وأصله وصف للثوب الذي ينسجه الناسج فإذا أتمه قطعه من المنوال . أريد به أنه بحدثان قطعه فصار كناية عن عدم لبسه ، ثم شاع ذلك فصار الجديد وصفا بمعنى الحديث العهد ، وتنوسي معنى المفعولية منه فصار وصفا بمعنى الفاعلية ، فيقال : جدّ الثوب بالرقع ، بمعنى : كان حديث عهد بنسج . ويشبه أن يكون ( جد ) اللازم مطاوعا ل ( جدّه ) المتعدّي كما كان ( جبر العظم ) مطاوعا ل ( جبر ) كما في قول العجاج : قد جبر الدين الإله فجبر وبهذا يحق الجمع بين قول البصريين الذين اعتبروا جديدا فعيلا بمعنى فاعل ، وقول الكوفيين بأنه فعيل بمعنى مفعول ، وعلى هذين الاعتبارين يجوز أن يقال : ملحفة جديد كما قال : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ [ الأعراف : 56 ] . ووصف الخلق الجديد باعتبار أن المصدر بمنزلة اسم الجنس يكون قديما فهو إذن بمعنى الحاصل بالمصدر ، ويكون جديدا فهو بمنزلة اسم الفاعل ، فوصف بالجديد ليتمحّض لأحد احتماليه ، والظرفية من قوله : لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ مجازية في قوة التلبس بالخلق الجديد تلبسا كتلبس المظروف بالظرف .