الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

187

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بالماكرين دون غيرهم ، فما عدل عن ذلك إلى صيغة القصر فقد سلك طريقة الإيجاز . وفيه أيضا حذف مضاف إذ التقدير : ولا يحيق ضر المكر السيّئ إلّا بأهله على أن في قوله : بِأَهْلِهِ إيجازا لأنه عوض عن أن يقال : بالذين تقلدوه . والوجه أن المساواة لم تقع في القرآن وإنما مواقعها في محادثات الناس التي لا يعبأ فيها بمراعاة آداب اللغة . وقرأ حمزة وحده وَمَكْرَ السَّيِّئِ بسكون الهمزة في حالة الوصل إجراء للوصل مجرى الوقف . فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا . تفريع على جملة فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً الآية . ويجوز أن يكون تفريعا على جملة وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ على الوجه الثاني في تعريف الْمَكْرُ وفي المراد ب بِأَهْلِهِ ، أي كما مكر الذين من قبلهم فحاق بهم مكرهم كذلك هؤلاء . و يَنْظُرُونَ هنا من النظر بمعنى الانتظار . كقول ذي الرّمة : وشعث ينظرون إلى بلال * كما نظر العطاش حيا الغمام فقوله : « إلى » مفرد مضاف ، وهو النعمة وجمعه آلاء . ومعنى الانتظار هنا : أنهم يستقبلون ما حلّ بالمكذبين قبلهم ، فشبه لزوم حلول العذاب بهم بالشيء المعلوم لهم المنتظر منهم على وجه الاستعارة . والسّنّة : العادة : والأوّلون : هم السابقون من الأمم الذين كذبوا رسلهم ، بقرينة سياق الكلام . و سُنَّتَ مفعول يَنْظُرُونَ وهو على حذف مضاف . تقديره : مثل أو قياس ، وهذا كقوله تعالى : فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ [ يونس : 102 ] . والفاء في قوله : فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا فاء فصيحة لأن ما قبلها لمّا ذكّر الناس بسنة اللّه في المكذبين أفصح عن اطّراد سنن اللّه تعالى في خلقه . والتقدير : إذا علموا ذلك فلن تجد لسنة اللّه تبديلا . و لَنْ لتأكيد النفي .