الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
176
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمستفهم عن رؤيته في مثل هذا التركيب في الاستعمال هو أحوال المرئي وإناطة البصر بها ، أي أن أمر المستفهم عنه واضح باد لكل من يراه كقوله : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ [ الماعون : 1 ، 2 ] وقوله : أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ [ الإسراء : 62 ] إلخ . . والأكثر أن يكون ذلك توطئة لكلام يأتي بعده يكون هو كالدليل عليه أو الإيضاح له أو نحو ذلك ، فيؤول معناه بما يتصل به من كلام بعده ، ففي قوله هنا : أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ تمهيد لأن يطلب منهم الإخبار عن شيء خلقه شركاؤهم فصار المراد من أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ انظروا ما تخبرونني به من أحوال خلقهم شيئا من الأرض ، فحصل في قوله : أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ إجمال فصّله قوله : أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ فتكون جملة أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا بدلا من جملة أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ بدل اشتمال أو بدل مفصل من مجمل . والمراد بالشركاء من زعموهم شركاء اللّه في الإلهية فلذلك أضيف الشركاء إلى ضمير المخاطبين ، أي الشركاء عندكم ، لظهور أن ليس المراد أن الأصنام شركاء مع المخاطبين بشيء فتمحضت الإضافة لمعنى مدّعيكم شركاء للّه . والموصول والصلة في قوله : الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ للتنبيه على الخطأ في تلك الدعوة كقول عبدة بن الطبيب : إن الذين ترونهم إخوانكم * يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا وقرينة التخطئة تعقيبه بقوله : أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ ، فإنه أمر للتعجيز إذ لا يستطيعون أن يروه شيئا خلقته الأصنام ، فيكون الأمر التعجيزي في قوة نفي أن خلقوا شيئا ما ، كما كان الخبر في بيت عبدة الوارد بعد الصلة قرينة على كون الصلة للتنبيه على خطأ المخاطبين . وفعل الرؤية قلبي بمعنى الإعلام والإنباء ، أي أنبئوني شيئا مخلوقا للذين تدعون من دون اللّه في الأرض . و ما ذا كلمة مركبة من ( ما ) الاستفهامية و ( ذا ) التي بمعنى الذي حين تقع بعد اسم استفهام ، وفعل الإراءة معلّق عن العمل في المفعول الثاني والثالث بالاستفهام . والتقدير : أروني شيئا خلقوه مما على الأرض .