الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

174

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عند قوله تعالى : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً في سورة البقرة [ 30 ] ، فيجوز أن يكون بعد أمم مضت كما في قوله : ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ في سورة يونس [ 14 ] فيكون هذا بيانا لقوله : إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي هو الذي أوجدكم في الأرض فكيف لا يعلم ما غاب في قلوبكم كما قال تعالى : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الملك : 14 ] ويكون ما صدف ضمير جماعة المخاطبين شاملا للمؤمنين وغيرهم من الناس . ويجوز أن يكون المعنى : هو الذي جعلكم متصرفين في الأرض ، كقوله تعالى : وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [ الأعراف : 129 ] ، فيكون الكلام بشارة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن اللّه قدّر أن يكون المسلمون أهل سلطان في الأرض بعد أمم تداولت سيادة العالم ويظهر بذلك دين الإسلام على الدين كله . والجملة الاسمية مفيدة تقوّي الحكم الذي هو جعل اللّه المخاطبين خلائف في الأرض . وقد تفرّع على قوله : عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ قوله : فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وهو شرط مستعمل كناية عن عدم الاهتمام بأمر دوامهم على الكفر . وجملة وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً بيان لجملة فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وكان مقتضى ظاهر هذا المعنى أن لا تعطف عليها لأن البيان لا يعطف على المبيّن ، وإنما خولف ذلك للدلالة على الاهتمام بهذا البيان فجعل مستقلا بالقصد إلى الإخبار به فعطفت على الجملة المبيّنة بمضمونها تنبيها على ذلك الاستقلال ، وهذا مقصد يفوت لو ترك العطف ، أما ما تفيده من البيان فهو أمر لا يفوت لأنه تقتضيه نسبة معنى الجملة الثانية من معنى الجملة الأولى . والمقت : البغض مع خزي وصغار ، وتقدم عند قوله تعالى : إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا في سورة النساء [ 22 ] ، أي يزيدهم مقت اللّه إياهم ، ومقت اللّه مجاز عن لازمه وهو إمساك لطفه عنهم وجزاؤهم بأشد العقاب . وتركيب جملة وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً تركيب عجيب لأن ظاهره يقتضي أن الكافرين كانوا قبل الكفر ممقوتين عند اللّه فلما كفروا زادهم كفرهم مقتا عنده ، في حال أن الكفر هو سبب مقت اللّه إياهم ، ولو لم يكفروا لما مقتهم اللّه . فتأويل