الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
147
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ما فيهما من الإطناب ، تذرعا بذكر هاتين الصّلتين إلى الثناء عليهم بإخلاص الإيمان في الاعتقاد والعمل . وجملة وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ تذييل جار مجرى المثل . وذكر التذييل عقب المذيل يؤذن بأن ما تضمنه المذيّل داخل في التذييل بادئ ذي بدء مثل دخول سبب العام في عمومه من أول وهلة دون أن يخص العام به ، فالمعنى : أن الذين خشوا ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة هم ممّن تزكى فانتفعوا بتزكيتهم ، فالمعنى : إنما ينتفع بالنذارة الذين يخشون ربهم بالغيب فأولئك تزكوا بها ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه . والمقصود من القصر في قوله : فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ أن قبولهم النذارة كان لفائدة أنفسهم ، ففيه تعريض بأن الذين لم يعبئوا بنذارته تركوا تزكية أنفسهم بها فكان تركهم ضرا على أنفسهم . وجملة وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ تكميل للتذييل ، والتعريف في الْمَصِيرُ للجنس ، أي المصير كله إلى اللّه سواء فيه مصير المتزكّي ومصير غير المتزكي ، أي وكل يجازى بما يناسبه . وتقديم المجرور في قوله : وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ للاهتمام للتنبيه على أنه مصير إلى من اقتضى اسمه الجليل الصفات المناسبة لإقامة العدل وإفاضة الفضل مع الرعاية على الفاصلة . [ 19 - 23 ] [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 19 إلى 23 ] وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ( 19 ) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ ( 20 ) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ ( 21 ) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( 22 ) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ ( 23 ) أربعة أمثال للمؤمنين والكافرين ، وللإيمان والكفر ، شبه الكافر بالأعمى ، والكفر بالظلمات ، والحرور والكافر بالميّت ، وشبه المؤمن بالبصير وشبه الإيمان بالنور والظل ، وشبه المؤمن بالحي تشبيه المعقول بالمحسوس . فبعد أن بيّن قلة نفع النذارة للكافرين وأنها لا ينتفع بها غير المؤمنين ضرب للفريقين أمثالا كاشفة عن اختلاف حاليهما ، وروعي في هذه الأشباه توزيعها على صفة الكافر والمؤمن ، وعلى حالة الكفر والإيمان ، وعلى أثر الإيمان وأثر الكفر .