الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
128
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ساحة نسوتنا انقلب سروره غمّا وحزنا إذ يجد دلائل أخذ الثأر من قاتله بادية له ، لأن العادة أن القتيل لا يندبه النساء إلّا إذا أخذ ثأره . هذا ما فسره المرزوقي وهو الذي تلقيته عن شيخنا الوزير وفي البيتين تفسير آخر . وقد يكون بالعكس وهو تثبيت المخاطب على علمه كقوله تعالى : مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ [ العنكبوت : 5 ] . وقريب من هذا الاستعمال ما يقصد به إظهار الفرق بين من اتصف بمضمون الشرط ومن اتصف بمضمون الجزاء كقول النابغة : فمن يكن قد قضى من خلّة وطرا * فإنني منك ما قضّيت أوطاري وقول ضابئ بن الحارث : ومن يك أمسى بالمدينة رحله * فإني وقيّار بها لغريب وقول الكلابي : فمن يكلم يغرض فإني وناقتي * بحجر إلى أهل الحمى غرضان فتقديم المجرور يفيد قصرا وهو قصر ادعائي ، لعدم الاعتداد بما للمشركين من عزة ضئيلة ، أي فالعزة للّه لا لهم . ومنه ما يكون فيه ترتيب الجواب على الشرط في الوقوع ، وهو الأصل كقوله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ [ الإسراء : 18 ] الآية ، وقوله : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها [ هود : 15 ] . و جَمِيعاً أفادت الإحاطة فكانت بمنزلة التأكيد للقصر الادعائي فحصلت ثلاثة مؤكدات ؛ فالقصر بمنزلة تأكيدين « 1 » و جَمِيعاً بمنزلة تأكيد . وهذا قريب من قوله أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [ النساء : 139 ] فإن فيه تأكيدين : تأكيدا ب ( إنّ ) وتأكيدا ب جَمِيعاً لأن تلك الآية نزلت في وقت قوة الإسلام فلم يحتج فيها إلى تقوية التأكيد . وتقدم الكلام على جَمِيعاً عند قوله تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً في سورة سبأ [ 40 ] .
--> ( 1 ) لقول السكاكي : ليس الحصر والتخصيص إلّا تأكيدا على تأكيد .