الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

117

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فيما عدا الشر ، ويخص الشر منه باسم الوعيد ، يعمهما وهو هنا مستعمل في القدر المشترك . وقد تقدم عند قوله تعالى : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ الآية في سورة البقرة [ 268 ] . وإضافته إلى الاسم الأعظم توطئة لكونه حقّا لأن اللّه لا يأتي منه الباطل . والحق هنا مقابل الكذب . والمعنى : أن وعد اللّه صادق . ووصفه بالمصدر مبالغة في حقيقته . والمراد به : الوعد بحلول يوم جزاء بعد انقضاء هذه الحياة كما دل عليه تفريع فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا الآية . والغرور بضم الغين ويقال التغرير : إيهام النفع والصلاح فيما هو ضرّ وفساد . وتقدم عند قوله تعالى : لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في سورة آل عمران [ 196 ] وعند قوله : زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً في سورة الأنعام [ 112 ] . والمراد بالحياة : ما تشتمل عليه أحوال الحياة الدنيا من لهو وترف ، وانتهائها بالموت والعدم مما يسول للناس أن ليس بعد هذه الحياة أخرى . وإسناد التغرير إلى الحياة ولو مع تقدير المضاف إسناد مجازي لأن الغارّ للمرء هو نفسه المنخدعة بأحوال الحياة الدنيا فهو من إسناد الفعل إلى سببه والباعث عليه . والنهي في الظاهر موجه إلى الناس والمنهي عنه من أحوال الحياة الدنيا ، وليست الحياة الدنيا من فعل الناس ، فتعين أن المقصود النهي عن لازم ذلك الإسناد وهو الاغترار لمظاهر الحياة . ونظيره كثير في كلام العرب كقولهم : لا أعرفنّك تفعل كذا ، ولا أرينّك هاهنا ، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ [ المائدة : 2 ] ، وتقدم نظيره في قوله تعالى : لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ آخر آل عمران [ 196 ] . وكذلك القول في قوله تعالى : وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ . والغرور بفتح الغين : هو الشديد التغرير . والمراد به الشيطان ، قال تعالى : فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ [ الأعراف : 22 ] . وهو يغير الناس بتزيين القبائح لهم تمويها بما يلوح عليها من محاسن تلائم نفوس الناس . والباء في قول بِاللَّهِ للملابسة وهي داخلة على مضاف مقدر أي ، بشأن اللّه ، أي