الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
108
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وتذكير الناس بإنعام اللّه عليهم بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد ، وما يعبد المشركون من دونه لا يغنون عنهم شيئا وقد عبدهم الذين من قبلهم فلم يغنوا عنهم . وتثبيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ما يلاقيه من قومه . وكشف نواياهم في الإعراض عن اتباع الإسلام لأنهم احتفظوا بعزتهم . وإنذارهم أن يحل بهم ما حل بالأمم المكذبة قبلهم . والثناء على الذين تلقّوا الإسلام بالتصديق وبضد حال المكذبين . وتذكيرهم بأنهم كانوا يودّون أن يرسل إليهم رسول فلما جاءهم رسول تكبروا واستنكفوا . وأنهم لا مفر لهم من حلول العذاب عليهم فقد شاهدوا آثار الأمم المكذبين من قبلهم ، وأن لا يغتروا بإمهال اللّه إياهم فإن اللّه لا يخلف وعده . والتحذير من غرور الشيطان والتذكير بعداوته لنوع الإنسان . [ 1 ] [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 1 ) افتتاحها ب الْحَمْدُ لِلَّهِ مؤذن بأن صفات من عظمة اللّه ستذكر فيها ، وإجراء صفات الأفعال على اسم الجلالة من خلقه السماوات والأرض وأفضل ما فيها من الملائكة والمرسلين مؤذن بأن السورة جاءت لإثبات التوحيد وتصديق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . وإيذان الْحَمْدُ لِلَّهِ باستحقاق اللّه إياه دون غيره تقدم في أول سورة الفاتحة . والفاطر : فاعل الفطر ، وهو الخلق ، وفيه معنى التكون سريعا لأنه مشتق من الفطر وهو الشق ، ومنه تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ [ الشورى : 5 ] إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ [ الانفطار : 1 ] . وعن ابن عباس « كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض ( أي لعدم جريان هذا اللفظ بينهم في زمانه ) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ، أي أنا ابتدأتها . وأحسب أن وصف اللّه ب فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مما سبق به القرآن ، وقد تقدم عند قوله تعالى فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ في سورة الأنعام [ 14 ] ، وقوله : وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ في آخر سورة يوسف [ 101 ] فضمّه إلى ما هنا .