الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

104

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فقال الزجاج : وهو من إبدال الواو المضمومة همزة لقصد التخفيف في نطق الضمة كقوله تعالى : أُقِّتَتْ [ المرسلات : 11 ] وقولهم : أجوه : جمع وجه . وبحث فيه أبو حيان ، وقال الفراء والزجاج أيضا : هو من نأش بالهمز إذا أبطأ وتأخر في عمل . ومنه قول نهشل بن حري النهشلي : تمنّى نئيشا أن يكون أطاعني * وقد حدثت بعد الأمور أمور أي تمنّى أخيرا . وفسر المعري في « رسالة الغفران » نئيشا بمعنى : بعد ما فات . وعلى كلا التفسيرين فالمراد بالتناوش وصف قولهم : آمَنَّا بِهِ بأنه إيمان تأخر وقته أو فات وقته . وفي الجمع بين مَكانٍ قَرِيبٍ و مَكانٍ بَعِيدٍ محسن الطباق . وجملة وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ في موضع الحال ، أي كيف يقولون آمنّا به في وقت الفوات والحال أنهم كفروا به من قبل في وقت التمكن فهو كقوله تعالى : وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ [ القلم : 43 ] . وَيَقْذِفُونَ عطف على كَفَرُوا فهي حال ثانية . والتقدير : وكانوا يقذفون بالغيب . واختيار صيغة المضارع لحكاية الحالة كقوله تعالى : وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ [ هود : 38 ] . والقذف : الرمي باليد من بعد . وهو هنا مستعار للقول بدون تروّ ولا دليل ، أي يتكلمون فيما غاب عن القياس من أمور الآخرة بما لا علم لهم به إذ أحالوا البعث والجزاء وقالوا لشركائهم : هم شفعاؤنا عند اللّه . ولك أن تجعل وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ تمثيلا مثل ما في قوله وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ، شبهوا بحال من يقذف شيئا وهو غائب عنه لا يراه فهو لا يصيبه البتة . وحذف مفعول يَقْذِفُونَ لدلالة فعل وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ عليه ، أي يقذفون أشياء من الكفر يرمون بها جزافا . والغيب : المغيّب . والباء للملابسة ، والمجرور بها في موضع الحال من ضمير يَقْذِفُونَ ، أي يقذفون وهم غائبون عن المقذوف من مكان بعيد . و مَكانٍ بَعِيدٍ هنا مستعمل في حقيقته يعني من الدنيا ، وهي مكان بعيد عن الآخرة