الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
102
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 51 إلى 53 ] وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ( 51 ) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 52 ) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 53 ) لما جاءهم التعريض بالتهديد من لازم المتاركة المدلول عليها بقوله : فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي [ سبأ : 50 ] للعلم بأن الضال يستحق العقاب أتبع حالهم حين يحلّ بهم الفزع من مشاهدة ما هدّدوا به . والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم تسلية له أو لكل مخاطب . وحذف جواب لَوْ للتهويل . والتقدير : لرأيت أمرا فظيعا . ومفعول تَرى يجوز أن يكون محذوفا ، أي لو تراهم ، أو ترى عذابهم ويكون إِذْ فَزِعُوا ظرفا ل تَرى ويجوز أن يكون إِذْ هو المفعول به وهو مجرد عن الظرفية ، أي لو ترى ذلك الزمان ، أي ترى ما يشتمل عليه . والفزع : الخوف المفاجئ ، وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للأنصار : « إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلّون عند الطمع » . وهذا الفزع عند البعث يشعر بأنهم كانوا غير مهيّئين لهذا الوقت أسباب النجاة من هوله . والأخذ : حقيقته التناول وهو هنا مجاز في الغلب والتمكن بهم كقوله تعالى : فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً [ الحاقة : 10 ] . والمعنى : أمسكوا وقبض عليهم لملاقاة ما أعد لهم من العقاب . وجملة فَلا فَوْتَ معترضة بين المتعاطفات . والفوت : التفلت والخلاص من العقاب ، قال رويشد الطائي : إن تذنبوا ثم تأتيني بقيتكم * مما علي بذنب منكم فوت أي إذا أذنبتم فجاءت جماعة منكم معتذرين فذلك لا يدفع عنكم جزاءكم على ذنبكم . وفي « الكشاف » : « ولو ، وإذ ، والأفعال التي هي فزعوا ، وأخذوا ، وحيل بينهم ، كلها للمضيّ ، والمراد بها الاستقبال لأن ما اللّه فاعله في المستقبل بمنزلة ما كان ووجد لتحققه » ا ه . ويزداد عليها فعل وَقالُوا . والمكان القريب : المحشر ، أي أخذوا منه إلى النار ، فاستغني بذكر مِنْ الابتدائية