الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
22
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
جرم لشابه الظلم ، فجعل من مجموع نفي ظلم اللّه إياهم ومن إثبات ظلمهم أنفسهم معرفة أنهم كذّبوا الرسل وعاندوهم وحلّ بهم ما هو معلوم من مشاهدة ديارهم وتناقل أخبارهم . والاستدراك ناشئ على ما يقتضيه نفي ظلم اللّه إياهم من أنهم عوملوا معاملة سيئة لو لم يستحقوها لكانت معاملة ظلم . وعبر عن ظلمهم أنفسهم بصيغة المضارع للدلالة على استمرار ظلمهم وتكرره وأن اللّه أمهلهم فلم يقلعوا حتى أخذهم بما دلت عليه تلك العاقبة ، والقرينة قوله كانُوا . وتقديم أَنْفُسَهُمْ وهو مفعول يَظْلِمُونَ على فعله للاهتمام بأنفسهم في تسليط ظلمهم عليها لأنه ظلم يتعجب منه ، مع ما فيه من الرعاية على الفاصلة . وليس تقديم المفعول هنا للحصر لأن الحصر حاصل من جملتي النفي والإثبات . [ 10 ] [ سورة الروم ( 30 ) : آية 10 ] ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ ( 10 ) ثُمَّ للتراخي الرتبي لأن هذه العاقبة أعظم رتبة في السوء من عذاب الدنيا ، فيجوز أن يكون هذا الكلام تذييلا لحكاية ما حلّ بالأمم السالفة من قوله كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [ الروم : 9 ] . والمعنى : ثم عاقبة كل من أساءوا السوأى مثلهم ، فيكون تعريضا بالتهديد لمشركي العرب كقوله تعالى دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها [ محمد : 10 ] ، فالمراد ب الَّذِينَ أَساؤُا كل مسيء من جنس تلك الإساءة وهي الشرك . ويجوز أن يكون إنذارا لمشركي العرب المتحدث عنهم من قوله وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [ الروم : 6 ] فيكونوا المراد ب الَّذِينَ أَساؤُا ، ويكون إظهارا في مقام الإضمار على خلاف مقتضى الظاهر لقصد الإيماء بالصلة ، أي أن سبب عاقبتهم السوأى هو إساءتهم ، وأصل الكلام : ثم كان عاقبتهم السوأى . وهذا إنذار بعد الموعظة ونص بعد القياس ، فإن اللّه وعظ المكذبين للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بعواقب الأمم التي كذبت رسلها ليكونوا على حذر من مثل تلك العاقبة بحكم قياس التمثيل ، ثم أعقب تلك الموعظة بالنذارة بأنهم ستكون لهم مثل تلك العاقبة بحكم قياس التمثيل ، ثم أعقب تلك الموعظة بالنذارة بأنهم ستكون لهم مثل تلك العاقبة ، وأوقع فعل كانَ الماضي في موقع المضارع للتنبيه على تحقيق وقوعه مثل أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] إتماما للنذارة . والعاقبة : الحالة الأخيرة التي تعقب حالة قبلها . وتقدمت في قوله : ثُمَّ انْظُرُوا