الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

16

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وثانيهما : تمردهم على تكذيب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بعد أن شاهدوا معجزته فانتقل الكلام إلى نقض آرائهم في هذين السببين . والتفكر : إعمال الفكر ، أي الخاطر العقلي للاستفادة منه ، وهو التأمل في الدلالة العقلية . وقد تقدم عند قوله تعالى قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ في سورة الأنعام [ 50 ] . والأنفس : جمع نفس . والنفس يطلق على الذات كلها ، ويطلق على باطن الإنسان ، ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي [ المائدة : 116 ] كقول عمر يوم السقيفة : « وكنت زوّقت في نفسي مقالة » أي في عقلي وباطني . وحرف فِي من قوله فِي أَنْفُسِهِمْ يجوز أن يكون للظرفية الحقيقية الاعتبارية فيكون ظرفا لمصدر يَتَفَكَّرُوا ، أي تفكرا مستقرا في أنفسهم . وموقع هذا الظرف مما قبله موقع معنى الصفة للتفكر . وإذ قد كان التفكر إنما يكون في النفس فذكر فِي أَنْفُسِهِمْ لتقوية تصوير التفكر وهو كالصفة الكاشفة لتقرر معنى التفكر عند السامع ، كقوله وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [ العنكبوت : 48 ] وقوله وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [ الأنعام : 38 ] ، وتكون جملة ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ إلخ على هذا مبينة لجملة يَتَفَكَّرُوا إذ مدلولها هو ما يتفكرون فيه كقوله تعالى : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ [ الأعراف : 184 ] . ويجوز أن يكون فِي للظرفية المجازية متعلقة بفعل يَتَفَكَّرُوا تعلق المفعول بالفعل ، أي يتدبروا ويتأملوا في أنفسهم . والمراد بالأنفس الذوات فهو في معنى قوله تعالى وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 21 ] ؛ فإن حق النظر المؤدّي إلى معرفة الوحدانية وتحقق البعث أن يبدأ بالنظر في أحوال خلقة الإنسان قال تعالى : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [ المؤمنون : 115 ] وهذا كقوله تعالى : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الأعراف : 185 ] أي في دلالة ملكوت السماوات والأرض ، وتكون جملة ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ إلخ على هذا التفسير بدل اشتمال من قوله أَنْفُسِهِمْ إذ الكلام على حذف مضاف ، تقديره : في دلالة أنفسهم ، فإن دلالة أَنْفُسِهِمْ تشتمل على دلالة خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق لأن أَنْفُسِهِمْ مشمولة لما في الأرض من الخلق ودالة على ما في الأرض ، وكذلك يطلق ما في الأرض دال على خلق أنفسهم . وعلى الاحتمالين وقع تعليق فعل يَتَفَكَّرُوا عن العمل في مفعولين لوجود النفي