الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

12

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وتقديم المجرور في قوله لِلَّهِ الْأَمْرُ لإبطال تطاول المشركين الذين بهجهم غلب الفرس على الروم لأنهم عبدة أصنام مثلهم لاستلزامه الاعتقاد بأن ذلك الغلب من نصر الأصنام عبادها ، فبين لهم بطلان ذلك وأن التصرف للّه وحده في الحالين للحكمة التي بيناها آنفا كما دل عليه التذييل بقوله يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ . فيه أدب عظيم للمسلمين لكي لا يعلّلوا الحوادث بغير أسبابها وينتحلوا لها عللا توافق الأهواء كما كانت تفعله الدجاجلة من الكهان وأضرابهم . وهذا المعنى كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعلنه في خطبه فقد كسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال الناس : كسفت لموت إبراهيم فخطب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال في خطبته : « إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللّه لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته » . وكان من صناعة الدجل أن يتلقن أصحاب الدجل الحوادث المقارنة لبعض الأحوال فيزعموا أنها كانت لذلك مع أنها تنفع أقواما وتضر بآخرين ، ولهذا كان التأييد بنصر الروم في هذه الآية موعودا به من قبل ليعلم الناس كلهم أنه متحدّى به قبل وقوعه لا مدّعى به بعد وقوعه ، ولهذا قال تعالى بعد الوعود : وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ . وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ عطف على جملة وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ إلخ أي : ويوم إذ يغلبون يفرح المؤمنون بنصر اللّه أي بنصر اللّه إياهم على الذين كانوا غلبوهم من قبل ، وكان غلبهم السابق أيضا بنصر اللّه إياهم على الروم لحكمة اقتضت هذا التعاقب وهي تهيئة أسباب انتصار المسلمين على الفريقين إذا حاربوهم بعد ذلك لنشر دين اللّه في بلاديهم ، وقد أومأ إلى هذا قوله لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ . والجملة المضافة إلى إذ في قوله وَيَوْمَئِذٍ محذوفة عوض عنها التنوين . والتقدير : ويوم إذ يغلبون يفرح المؤمنون ، فيوم منصوب على الظرفية وعامله يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ . وأضيف النصر إلى اسم الجلالة للتنويه بذلك النصر وأنه عناية لأجل المسلمين . وجملة يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ تذييل لأن النصر المذكور فيها عامّ بعموم مفعوله وهو مَنْ يَشاءُ فكل منصور داخل في هذا العموم ، أي من يشاء نصره لحكم يعلمها ، فالمشيئة هي الإرادة ، أي : ينصر من يريد نصره ، وإرادته تعالى لا يسأل عنها ، ولذلك