الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
13
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عليهم اسم النساء باعتبار المآل إيماء إلى أنه يستحييهن ليصرن نساء فتصلحن لما تصلح له النساء وهو أن يصرن بغايا إذ ليس لهن أزواج . وإذ كان احتقارهن بصد قومه عن التزوج بهن فلم يبق لهن حظ من رجال القوم إلا قضاء الشهوة ، وباعتبار هذا المقصد انقلب الاستحياء مفسدة بمنزلة تذبيح الأبناء إذ كل ذلك اعتداء على الحق . وقد تقدم آنفا موقع جملة إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . [ 5 - 6 ] [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 5 إلى 6 ] وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ( 5 ) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ ( 6 ) عطفت جملة وَنُرِيدُ على جملة إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ [ القصص : 4 ] لمناسبة ما في تلك الجملة من نبأ تذبيح الأبناء واستحياء النساء ، فذلك من علو فرعون في الأرض وهو بيان لنبإ موسى وفرعون فإن إرادة اللّه الخير بالذين استضعفهم فرعون من تمام نبإ موسى وفرعون ، وهو موقع عبرة عظيمة من عبر هذه القصة . وجيء بصيغة المضارع في حكاية إرادة مضت لاستحضار ذلك الوقت كأنه في الحال لأن المعنى أن فرعون يطغى عليهم واللّه يريد في ذلك الوقت إبطال عمله وجعلهم أمة عظيمة ، ولذلك جاز أن تكون جملة وَنُرِيدُ في موضع الحال من ضمير يَسْتَضْعِفُ [ القصص : 4 ] باعتبار أن تلك الإرادة مقارنة لوقت استضعاف فرعون إياهم . فالمعنى على الاحتمالين : ونحن حينئذ مريدون أن ننعم في زمن مستقبل على الذين استضعفوا . والمنّ : الإنعام ، وجاء مضارعه مضموم العين على خلاف القياس . و الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ هم الطائفة التي استضعفها فرعون . و الْأَرْضِ هي الأرض في قوله إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ [ القصص : 4 ] . ونكتة إظهار الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا دون إيراد ضمير الطائفة للتنبيه على ما في الصلة من التعليل فإن اللّه رحيم لعباده ، وينصر المستضعفين المظلومين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا . وخص بالذكر من المن أربعة أشياء عطفت على فعل نَمُنَّ عطف الخاص على العام وهي : جعلهم أئمة ، وجعلهم الوارثين ، والتمكين لهم في الأرض ، وأن يكون زوال